يتصف الفعل بالحسن والقبح أو الوجوب والحرمة فكما انّ شرب المكلّف إناء من الخلّ المقطوع كونه خمراً ، لا يوجب اتصاف الشرب بالقبح وصيرورته محرماً بحسب الواقع ، فكذلك قصد كون الفعل واجباً مثلاً ، مع عدم كونه في الواقع كذلك ، لا يوجب قبحه وحرمته بحسب الواقع ، انّما المتصف بالقبح والحرمة هو انتساب ذلك الفعل إلى الشرع بعنوان أنّه واجب من واجباته ، ولقد اجاد أُستاذ مشايخنا الإمام الراحل (قدسسره) حيث قال : «لا وجه لتسرية القبح من عنوان إلى عنوان آخر مغاير معه ، كما هو المطرد في الأحكام العقليّة» (١).
وأمّا الاستدلال بما ذكره من الرواية فضعيف جداً لأنّ حرمة القضاء بغير علم ممّا لا كلام فيه ، مضافاً إلى ما عرفت من الفرق بين القول بغير العلم الذي هو مورد الرواية وبين التشريع الذي هو مورد الكلام.
الأمر الرابع : قال الشيخ الأعظم (قدسسره) ما حاصله :
«قد يتوهّم انّ الاحتياط أيضاً من التشريع المحرّم بتقريب انّه ما الفرق بين إتيان الدعاء عند رؤية الهلال انتساباً إلى الشارع مع عدم العلم بانّه منه وبين إتيانه عملاً بالاحتياط ، فلو كان الأوّل تشريعاً قبيحاً محرماً ، لكان الثاني أيضاً كذلك ، وهو غلط واضح لوجود الفرق بين الالتزام بشيء من قبل المولى على أنّه منه مع عدم العلم بانّه منه ، وبين الالتزام بإتيانه لاحتمال كونه منه ، أو رجاء كونه منه ، وشتّان ما بينهما لأنّ العقل يستقل بقبح الأوّل وحسن الثاني. والحاصل أنّ المحرم هو العمل بغير العلم متعبّداً به متديناً به ، وأمّا العمل به من دون تعبّد بمقتضاه فان كان لرجاء إدراك الواقع فهو حسن ما لم يعارضه احتياط آخر ، أو لم يثبت من دليل آخر وجوب العمل على خلافه كما لو ظن الوجوب ظناً غير معتبر
__________________
(١) تهذيب الأُصول : ٢ / ١٥٦.
![الرسائل الأربع [ ج ٤ ] الرسائل الأربع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3939_alrasael-alarbaa-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
