الأمر الثالث : هل قبح التشريع يسري إلى الفعل المتشرّع به بحيث يصير الفعل قبيحاً عقلاً وحراماً شرعاً ، أو انّه لا يسري إلى الفعل ، بل يكون التشريع من المعاصي القلبية مع بقاء الفعل المتشرع به على ما هو عليه من الواقع؟
ذهب المحقّق صاحب الكفاية (قدسسره) إلى الثاني وظاهر كلام الشيخ (قدسسره) في الفرائد هو الأوّل ، حيث قال ما لفظه : «والحاصل أنّ المحرّم هو العمل بغير العلم متعبّداً به متديناً به» (١).
ومال إليه المحقّق النائيني (قدسسره) تقريب : «انّه من الممكن أن يكون القصد والداعي من الجهات والعناوين المغيرة لجهة حسن العمل وقبحه ، فيكون الالتزام والتعبد والتدين بعمل لا يعلم التعبد به من الشارع موجباً لانقلاب العمل عمّا هو عليه وتطرأ عليه بذلك جهة مفسدة تقتضي قبحه عقلاً وحرمته شرعاً وظاهر قوله : «رجل قضى بالحق وهو لا يعلم» (٢) ، حرمة القضاء واستحقاق العقوبة عليه ، فيدل على حرمة نفس العمل» (٣).
أقول : الملاك في اتصاف فعل بالحسن والقبح عقلاً والوجوب والحرمة شرعاً ، هو اشتمال ذلك الفعل على المصلحة والمفسدة على ما هو المشهور بين العدلية من تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها ومن الواضح انّ القصد والداعي بما هما لا يحدثان مصلحة أو مفسدة في الفعل لأنّ هذين العنوانين من الامُور الحقيقية تارة يكون واقع الفعل مشتملاً عليهما وأُخرى لا يكون كذلك بلا دخل لقصد المكلّف فيه.
فوزان القصد وزان القطع في عدم كونه من الوجوه والاعتبارات التي بها
__________________
(١) فرائد الأُصول : ٣١ ، طبعة رحمة الله.
(٢) الوسائل : ١٨ الباب ٤ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٦.
(٣) فوائد الأُصول : ٣ / ١٢١.
![الرسائل الأربع [ ج ٤ ] الرسائل الأربع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3939_alrasael-alarbaa-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
