صدر أرض بدنك تنبع عينان من الحكمة العملية والنظرية (هذا مُغْتَسَلٌ) أي : العملية المزكية للنفوس ، المطهرة من ألواث الطبائع ، المبرئة من أمراض الرذائل (بارِدٌ) ذو روح وسلامة (وَشَرابٌ) من النظرية ، أي : العلم المفيد لليقين الدافع لمرض الجهل ، والزمانة عن السير ، فتغتسل وتشرب منه تبرأ بإذن الله ظاهرك وباطنك وتصح وتقوى.
[٤٣] (وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣))
(وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ) قيل : كان له سبعة أبناء وسبع بنات ، فانهدم عليهم البيت في الابتلاء فهلكوا فأحياهم الله عند كشف الضرّ وإعادة أموال الكمالات عليه ، وهي إشارة إلى الروحانية والنفسانية الهالكة في التلوين واستيلاء الطبيعة البدنية أو البالغة في التلوين الأعظم وخراب البدن واستئكال الديدان إياه حتى لم يبق منه إلا القلب ولسان الاستعداد الفطري ، فأحياهم عند الإنابة والرجوع إلى حال الصحة والقوة وكشف المرض والزمانة بالشرب والغسل من العينين المذكورتين (وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ) باكتساب الملكات الفاضلة والأخلاق الحميدة والصفات الجميلة حتى صارت القوى الطبيعية النفسانية أيضا روحانية في النشأة الثانية وحدوث القوى البدنية الفانية (رَحْمَةً مِنَّا) بإفاضة الكمالات التي سألها استعداده (وَذِكْرى) وتذكيرا (لِأُولِي) الحقائق المجرّدة عن قشور المواد الجسمانية الذين يفهمون بسمع القلب حتى يعتبروا أحوالهم بحاله ويتذكروا ما في فطرهم من العلوم.
[٤٤ ـ ٤٥] (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥))
(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً) قيل : إنه حلف في مرضه ليضربن امرأته مائة إن برىء ، واختلف في سبب حلفه فقيل : أبطأت ذاهبة في حاجة ، وقيل : أوهمها الشيطان أن تسجد له سجدة ليردّ أموالهم الذاهبة ، وقيل : باعت ذؤابتين لها برغيفين وكانتا متعلق أيوب عند قيامه. وقيل : أشارت إليه ليشرب الخمرة ، كلها إشارات إلى التلوين المذكور بظهور النفس بإبطائها وتكاسلها في الطاعات أو طاعة شيطان الوهم وانقيادها له في تمني الحظوظ وترك ما يتعلق به القلب في القيام عن مرقد البدن والتجرّد عن الهيئات المنشطة المشجعة من العلوم النافعة والأعمال الفضيلة ، واستبدال الحظوظ القليلة المقدار ، اليسيرة الوقع ، والخطر بها ، أو المراءاة بها ، لاستجلاب حظ النفس أو شرب خمر الهوى والميل إلى ما يخالف العقل. وحلفه إشارة إلى نذره المخالفات والرياضات المتعبة والمجاهدات المؤلمة أو ما ركز في استعداده في محبته التجريد والتزكية بالرياضة وعزيمة تأديب النفس بالأخلاق والآداب بالمخالفات المؤلمة بمقتضى العهد الأول وحكم ميثاق الفطرة وأخذ الضغث. والضرب به إشارة إلى الرخصة
![تفسير ابن عربي [ ج ٢ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3855_tafsir-ibn-arabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
