والطريقة السهلة السمحة من تعديل الأخلاق بالاقتصار على الأوساط والاعتدالات من الرياضات والمخالفات لصفاء الاستعداد وشرف النفس ونجابة جوهرها دون الإفراط فيها ، والأخذ بالعزائم الصعبة كماقال عليه الصلاة والسلام : «بعثت بالحنيفية السمحة السهلة». (وَلا تَحْنَثْ) بترك التأديب بالكلية ونقص العزيمة في طلب الكمال ، وترك الوفاء بالنذر الفطري (إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً) في بليته وطلبه للكمال ، فرحمناه ، وليس كل طالب صابرا (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ) رجّاع إلى الله بالتجرّد والمحو والفناء (وَاذْكُرْ عِبادَنا) المخصوصين من أهل العناية (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ) أي : العمل والعلم لنسبة الأول إلى الأيدي والثاني إلى البصر والنظر ، وهم أرباب الكمالات العملية والنظرية.
[٤٦] (إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦))
(إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ) صفيناهم عن شوب صفات النفوس وكدورة الأنانية وجعلناهم لنا خالصين بالمحبة الحقيقية ليس لغيرنا فيهم نصيب ، ولا يميلون إلى الغير بالمحبة العارضية لا إلى أنفسهم ولا إلى غيرهم بسبب خصلة خالصة غير مشوبة بهم آخر هي (ذِكْرَى الدَّارِ) الباقية والمقرّ الأصلي ، أي : استخلصناهم لوجهنا بسبب تذكرهم لعالم القدس وإعراضهم عن معدن الرجس مستشرفين لأنوارنا لا التفات لهم إلى الدنيا وظلماتها أصلا.
[٤٧ ـ ٥١] (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١))
(وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا) أي : في الحضرة الواحدية (لَمِنَ) الذين اصطفيناهم لقربنا من بني نوعهم (الْأَخْيارِ) المنزّهين عن شوائب الشرّ والإمكان والعدم والحدثان (هذا ذِكْرٌ) أي : هذا باب مخصوص بذكر السابقين من أهل الله المخصوصين بالعناية (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ) المجرّدين من صفات نفوسهم دون الواصلين إلى بساط القرب والكرامة الناظرين إليه في جنة الروح بالمشاهدة (لَحُسْنَ مَآبٍ) في مقام القلب من جنة الصفات (جَنَّاتِ عَدْنٍ) مخلّدة (مُفَتَّحَةً لَهُمُ) أبوابها بالتجليات يدخلونها من طرق الفضائل الخلقية والكمالات (مُتَّكِئِينَ فِيها) على أرائك المقامات (يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ) من المكاشفات اللذيذة (وَشَرابٍ) المحبة الوصفية.
[٥٢ ـ ٥٧] (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤) هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧))
![تفسير ابن عربي [ ج ٢ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3855_tafsir-ibn-arabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
