إنّما هو من باب القدر المتيقن والزائد محكوم بالعدم.
اذا تبين ما ذكرنا من أول المبحث الى هنا ظهر لك التفصيل الذي أشرنا اليه في صدر المبحث وهو انه اذا كان الشك لضيق الدائرة ولم ندر ان المصداق من أفراد العام أو الخاص فلا وجه للقول باندراجه في تحت أي واحد منهما. واذا أحرزنا المقتضى للحكم من الخارج واستكشفنا بأن الخاص قد استثنى في العام لوجود المانع لا لفقد المقتضى وذلك في القضية النفس الأمرية وفهمنا من القرائن أن العام مقتض للعموم حتى فيما وجد فيه المانع فإذا كان مصداق مشتبه وقد أحرز المقتضى وشك في المانع فنختار اندراج هذا المصداق تحت العام مثلا اذا قال اكرم العلماء ولا تكرم الفساق فالعلم مقتض والفسق مانع (لا أن يكون العدالة شرطا فلا بد من احراز الشرط) فإذا اشتبه أحد في المصاديق فنحكم ببركة احراز المقتضى فيه بدخوله تحت حكم العام فيؤخذ بالمقتضى ولا يعتنى بالمانع. فكما ان الاستثناء جائز في القضية اللفظية وفي الخروج الموضوعي فكذا يجوز ذلك في المقرون بالمانع فإذا كانت الشبهة المصداقية من هذا القبيل فلا وجه لدخوله تحت العام إلّا باعتبار رجوعه الى قاعدة الاقتضاء والمنع. فإن قلت : إنّ هذا ينافي ما ذكرتم سابقا من أن العام مقتض لجميع أفراده فالمقتضى في كل منها محرز وانّ العموم في اكرم العلماء يقتضى شمول زيد وقوله (إلّا زيدا) إنّما هو لوجود المانع. قلت : فرق بين الاقتضاء في القضية اللفظية وفي القضية النفس الأمرية ففي الأول يرجع ذلك الى أنّك لو شككت في وجود مانع أو استثناء فتحكم بثبوت المقتضى حقيقة من دون تجوز واما في القضية النفس الأمرية فالتخصيص ثابت ولا شك فيه إلّا أنه لا نعلم بأنّه يرجع الى المانع أو الى الخروج الموضوعي وعلى هذا فلا بد من التوقف لكن اذا أحرز ان العام له اقتضاء في نفس الأمر والاستثناء إنما هو لوجود المانع فيحكم بعموم الاقتضاء (١).
__________________
(١) قبل الورود في المقصد الثاني من هذا الكتاب راجع مقدمة المؤلف. الصفحة ٥
