وقد جاء في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال معاذ بن جبل : يا رسول الله ما التوبة النصوح؟ قال : أن يندم العبد على الذنب الذي أصاب ، فيعتذر إلى الله ثم لا يعود إليه ، كما لا يعود اللبن إلى الضرع (١).
وهكذا يريد الله من المؤمنين أن يفكروا دائما بالخط الذي ينتمون إليه ، ليدققوا في طريقة حركة خطواتهم عليه ، ويستغرقوا في التدقيق في علاقتهم بالله ، ليدرسوا مدى انفتاحهم عليه ، وإخلاصهم له ، ليقوّموا ما انحرفوا فيه ، وليصححوا ما أخطئوا فيه ، لتبقى عيونهم مشدودة إلى خط الاستقامة ، فلا يغيب عنهم ، وتبقى قلوبهم مفتوحة على الله ، فلا تنغلق عنه.
(عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) فهذا هو شرط رجاء رحمة الله التي تطل على سيئاتكم ، فتنزيلها من صحيفة أعمالكم ، وعلى موقعكم في اليوم الآخر ، فتؤدي بكم إلى النعيم الخالد في جنات الله التي تتدفق منها الينابيع ، فتجري في ساحاتها أنهارا يجد فيها القلب المتعب الراحة الرضية ، والجسد المرهق الاسترخاء المريح ، والشعور المتوتر الهدوء والاطمئنان والرضا المتطلع إلى رحاب الله.
(يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) ولا يحرمهم من كرامتهم ورضوانه. وكيف يخزيهم ، وقد عاشوا الحياة كلها جهادا في الدعوة إلى الإيمان في دينه وإلى الاستقامة في خط طاعته ، وعملا دائبا في سبيل إعلاء كلمته ، والجهاد في سبيله ، على صعيد التضحية بكل شيء في خدمته ، فها هم اليوم مغمورون بفيض رحمته ، سائرون إلى رحاب رضوانه ، وكما كانوا في الدنيا معا ، فها هم في الآخرة معا في صعيد الرحمة والكرامة في نعيم الجنان ، وها هم (نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) في ما قدّموه أمامهم من عمل صالح في
__________________
(١) الدرّ المنثور ، ج : ٨ ، ص : ٢٢٧.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٢٢ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3287_tafsir-men-wahi-alquran-22%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
