الثبات ، وتجعله في قبضة الاهتزاز الدائم ، تبعا لاختلاف الأهواء والشهوات التي لا تشتعل إلا لتتبخر في الهواء ، كما الزبد الذي يذهب جفاء ولا يبقى منه شيء ينفع الناس. وهذا ما أراد موسى أن يعمّقه في ذواتهم من أسلوب الإنكار على هذه الرؤية المظلمة للأشياء ، ليدرسوا واقعهم المستقبليّ في نتائجه السلبية ، على هدى واقع هؤلاء في النتائج السلبية الحاضرة.
ثم عاد ليربطهم بالله من خلال النعمة ، (قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ) ، في ما منحكم من نعمه الكثيرة ، وما ميّزكم به على فرعون وقومه من اختصاصكم برحمته وبآياته وبغير ذلك من نعم كبيرة في كل مجالات حياتكم ... إنه تفضيل النعمة التي يختص الله بها بعض عباده لحكمة هناك ، لا تفضيل القيمة التي يرفع بها بعض عباده على بعض درجات في قربهم منه ومن رضوانه ورحمته ، كما أشرنا إلى ذلك في تفسير سورة البقرة. إنه يذكرهم بهذه النعم ليفكروا ويقارنوا ، ليأخذوا النتيجة الحاسمة ، وهي أن لا شيء غير الله يمكن أن يعطي الإنسان أيّة نعمة في حياته ، لأنه لا يملك ـ حتى لنفسه ـ نفعا ولا ضرا.
* * *
موسى يذكّر قومه بنعم الله عليهم
(وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ). هل فكرتم في هذه النعمة العظيمة ، وهي نعمة الحرية التي عدتم بها أحرارا ، تملكون تفكيركم وإرادتكم وحركتكم في الحياة بعد أن كنتم عبيدا لآل فرعون يمارسون ضدكم كل ألوان العذاب القاسي ، فيقتلون كل مولود ذكر يولد لكم ، ويبقون نساءكم إماء لهم ، وهذا هو البلاء العظيم الذي أنقذكم منه ، بطريقة معجزة غير عاديّة.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٠ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3272_tafsir-men-wahi-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
