موسى عليهالسلام وجهالة قومه
(قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) ، لأنكم لم تعرفوا حقيقة الألوهية في معناها المطلق ، من حيث إن الله يخلق كل شيء ، ويحيط بكلّ شيء ، وليس كمثله شيء ، وليس بينه وبين أحد من عباده قرابة ليكون واسطة بينه وبينه ، فلا معنى لأن يعبد أحد أحدا ليقرّبه إلى الله زلفى ، لأن العمل المتحرك في خط الإيمان ، هو الذي يقرب العبد من ربه ، وبذلك لا معنى لإعطاء هذه التماثيل الحجرية والخشبية والذهبية والنحاسية والفضية معنى الألوهة ، فهي مخلوقة لله بمادتها ، ومصنوعة للإنسان بشكلها ، فكيف تحمل سرّ الألوهة؟ ومن أين تحصل على القوة والقدرة؟ إنه الجهل والغفلة والسذاجة ، ذلكم هو عذركم في هذا العرض وفي هذا التمني الأخرق. إنكم تتمنون أن تكونوا كهؤلاء تعبدون مثل ما يعبدون ، ولكن هل عرفتم مستوى هؤلاء وقيمتهم في ما يفكرون ويعملون؟
(إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ) فإن واقعهم الذي يتخبّطون فيه يسير بهم إلى الهلاك والدمار ، لأنهم يفقدون القاعدة الفكرية والروحية التي تركّز لهم منهج الحياة الشامل الواسع ، الذي يحرّك طاقاتهم في الآفاق الرحبة للكون ، فيشعرون معه بالحكمة التي تحكم الحياة وتدبرها في ظل نظام دقيق تلتقي فيه حركة الكون بحركة الإنسان. وإذا تحرك الإنسان دون قاعدة ثابتة ، ودون منهج متكامل ، يبقى في مهب الرياح ، فلا يسكن إلى ملجأ ولا يستريح إلى أرض ، وربما ترميه الرياح الهوجاء في هاوية سحيقة ، حيث الهلاك والدمار في الدنيا والآخرة ... (وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) لأنهم لا يرتكزون في عملهم هذا على حجّة. وتلك هي قصّة الحق والباطل ، فللحقّ سلطانه من خلال قوّة العناصر الفكرية والعملية التي تدعم مضمونه ، وللباطل أهواؤه وشهواته التي تفقده
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٠ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3272_tafsir-men-wahi-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
