أي فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك ، وهو كاعتراض دل به على أنه لما كان الصابئون مع ظهور ضلالهم وميلهم عن الأديان كلها يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح ، كان غيرهم أولى بذلك. ويجوز أن يكون والنصارى معطوفا عليه ومن آمن خبرهما وخبر إن مقدر دل عليه ما بعده كقوله :
|
نحن بما عندنا وأنت بما |
|
عندك راض والرّأي مختلف |
ولا يجوز عطفه على محل إن واسمها فإنه مشروط بالفراغ من الخبر ، إذ لو عطف عليه قبله كان الخبر خبر المبتدأ وخبر إن معا فيجتمع عليه عاملان ولا على الضمير في هادوا لعدم التأكيد والفصل ، ولأنه يوجب كون الصابئين هودا. وقيل إن بمعنى نعم وما بعدها في موضع الرفع بالابتداء. وقيل (الصَّابِئُونَ) منصوب بالفتحة وذلك كما جوز بالياء جوز بالواو. (مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً) في محل الرفع بالابتداء وخبره. (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) والجملة خبر إن أو خبر المبتدأ كما مر والراجع محذوف ، أي : من آمن منهم ، أو النصب على البدل من اسم إن وما عطف عليه. وقرئ و «الصابئين» وهو الظاهر و «الصابيون» بقلب الهمزة ياء و «الصابون» بحذفها من صبأ بإبدال الهمزة ألفا ، أو من صبوت لأنهم صبوا إلى اتباع الشهوات ولم يتبعوا شرعا ولا عقلا.
(لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ)(٧٠)
(لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً) ليذكروهم وليبينوا لهم أمر دينهم. (كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ) بما يخالف هواهم من الشرائع ومشاق التكاليف. (فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ) جواب الشرط والجملة صفة رسلا والراجع محذوف أي رسول منهم. وقيل الجواب محذوف دل عليه ذلك وهو استئناف ، وإنما جيء ب (يَقْتُلُونَ) موضع قتلوا على حكاية الحال الماضية استحضارا لها واستفظاعا للقتل وتنبيها على أن ذلك من ديدنهم ماضيا ومستقبلا ومحافظة على رؤوس الآي.
(وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ)(٧١)
(وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي وحسب بنو إسرائيل أن لا يصيبهم بلاء وعذاب بقتل الأنبياء وتكذيبهم. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب لا تكون بالرفع على أنّ أن المخففة من الثقيلة ، وأصله أنه لا تكون فتنة فخففت أن وحذف ضمير الشأن فصار : أن لا تكون وإدخال فعل الحسبان عليها وهي للتحقيق تنزيل له منزلة العلم لتمكنه في قلوبهم ، وأن أو أن بما في حيزها ساد مسد مفعوليه. (فَعَمُوا) عن الدين أو الدلائل والهدى. (وَصَمُّوا) عن استماع الحق كما فعلوا حين عبدوا العجل. (ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ) أي ثم تابوا فتاب الله عليهم. (ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا) كرة أخرى. وقرئ بالضم فيهما على أن الله تعالى عماهم وصمهم أي رماهم بالعمى والصمم ، وهو قليل واللغة الفاشية أعمى وأصم. (كَثِيرٌ مِنْهُمْ) بدل من الضمير ، أو فاعل والواو علامة الجمع كقولهم : أكلوني البراغيث ، أو خبر مبتدأ محذوف أي العمى والصم كثير منهم. وقيل مبتدأ والجملة قبله خبره وهو ضعيف لأن تقديم الخبر في مثله ممتنع. (وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ) فيجازيهم على وفق أعمالهم.
(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ)(٧٢)
![أنوار التنزيل وأسرار التأويل [ ج ٢ ] أنوار التنزيل وأسرار التأويل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3168_anwar-altanzil-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
