وحكى ابن فارس (١) عن جماعة أن (مِنْ) هنا للتبعيض ؛ لأنهم أمروا بالغضّ عما يحرم النظر إليه. وقوله : (قُمِ اللَّيْلَ) (المزمل : ٢) أي صلّ في الليل ؛ لأن القيام بعض الصلاة. وكقوله : (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) (الإسراء : ٧٨) أي صلاة الفجر. ومنه (الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) (البقرة : ١٤٤) والمراد جميع الحرم. وقوله : (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (البقرة : ٤٣) أي المصلين. (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً) (الإسراء : ١٠٧) (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ) (الإسراء : ١٠٩) أي الوجوه.
وقوله : (إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) (آل عمران : ٥) فعبّر بالأرض والسماء عن العالم ؛ لأن المقام مقام الوعيد ؛ والوعيد إنما يحصل لو بيّن أن الله لا يخفى عليه أحوال العباد ؛ حتى يجازيهم على كفرهم وإيمانهم ، والعباد وأحوالهم ليست السماء والأرض بل من العالم فيكون المراد بالسماء والأرض العالم ؛ إطلاقا للجزء على الكلّ.
وقوله : (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ) (التوبة : ٦١) قال الفارسي : جعله على المجاز «أذنا» لأجل إصغائه ؛ قال : ولو صغّرت «أذنا» هذه التي في هذه الآية ، كان في لحاق التاء فيها وتركها نظر.
وجعل الإمام فخر الدين (٢) قوله تعالى : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً) (البقرة : ١٢٥). المراد به جميع الحرم ، لا صفة الكعبة فقط ، بدليل قوله : (أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً) (العنكبوت : ٦٧) وقوله : (هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ) (المائدة : ٩٥) والمراد الحرم كله ، لأنه لا يذبح في الكعبة ، قال : وكذلك «المسجد [الحرام] (٣)» في قوله [تعالى] (٤) : (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا) (التوبة : ٢٨) والمراد منعهم من الحج وحضور مواضع النسك.
وقيل في قوله تعالى : (بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ) (القيامة : ٤) أي نجعلها صفحة مستوية لا شقوق فيها كخف البعير ، فيعدم الارتفاق بالأعمال اللطيفة ، كالكتابة
__________________
(١) أحمد بن فارس بن زكريا تقدم التعريف به ١ / ١٩١.
(٢) انظر تفسيره ٤ / ٤٥ ، عند تفسير الآية.
(٣) ساقطة من المخطوطة.
(٤) ساقطة من المطبوعة.
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٢ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2112_alburhan-fi-ulum-quran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
