وتركوا قدر الطّواف بالبيت. وبنى قصيٌّ دار النّدوة للمشاورة والتَّفاهم فيما يعرض عليهم من المُهمّات ، وتيمّنت قريش برأيه ؛ وسُمّي مجمعاً.
وعند مجيء الحاجِّ ، قال لقريش : هذا أوانُ الحجِّ ، وقد سَمعتْ العربُ بما صنعتم وهم لكم مُعظّمون ، ولا أعلمُ مَكرُمةً عند العرب أعظم من الطعام ، فليخرج كلُّ إنسانٍ منكم مِن ماله خرجاً. ففعلوا وجمع مالاً كثيراً ، ولمّا جاء الحاجُّ نحر لهم على كلِّ طريقٍ من طُرق مكّة جزوراً ، غير ما نحره بمكّة ، وأوقد النّار بالمزدلفة ليراها النّاس (١).
وصنع للناس طعاماً أيام منى ، وجرى عليه الحال حتّى جاء الإسلام ، فالطعام الذي يصنعه السّلطان أيام منى كلَّ عامٍ من آثار قَصي (٢).
ومن هنا خضعت خُزاعة لقصي ، وسلّمت له أمر الحرم وسدانة البيت الحرام بعد أنْ كانت عند حليلٍ ، وعند قصيٍّ ابنته ، وهي اُمّ أولاده.
تولّى قصيٌّ سدانة البيت ؛ إمّا بوصاية من حليل ـ عند الموت ـ إليه ، أو أنّها كانت عند ابنته زوج قصي بالوراثة ، فقام زوجها بتدبير شؤون البيت لعجز المرأة عن القيام بهذه الخدمة ، أو أنّ أبا غبشان الخُزاعي كان وصيَّ حليلٍ على هذه السّدانة ، فعاوضه عليها قصيٌّ بأثواب وأذواد من الإبل.
هذا هو الصحيح المأثور في ولاية قصي سدانة البيت ، ويتّفق
__________________
(١) السّيرة الحلبيّة ١ / ٢١.
(٢) تاريخ الطبري ٢ / ١٨٥.
