🚘

أعلام النبوّة

أبو حاتم الرازي

أعلام النبوّة

المؤلف:

أبو حاتم الرازي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسه پژوهشى حكمت و فلسفه ايران
المطبعة: صارمي
🚘 نسخة غير مصححة

وظاهر هذا المثل ، لا يوجب أن يهلك الله عزوجل بذنوب بنى آدم التى ذكرها ، الحيوان والطير والسّمك! ولو أن ناظرا فى هذا الكلام عمد (١) إلى ظاهر ألفاظه لعابه ، وقال : كيف يهلك الله عزوجل الحيوان والطّير والسّمك بذنوب البشر؟ أو (٢) كيف ذكر السّمك والطّير مع ذكره الحيوان ، وهما من الحيوان؟ ولكان له (٣) فى ذلك مقال ، لو كان ظاهرا لا معنى تحته.

فلمّا فسره وردّه إلى المعنى ، زال عنه عيب الجهال.

(٩) وفى كتاب يوئيل (٤) النّبيّ (ع) يقول : ما أبقى الجندب أكله الجراد الطّائر وما أبقى (٥) الجراد الطّائر (٦) أكله الدّبى (٧) ، وما فضل عن الدّبى (٨) أكله الصّرصر. وقال فى تفسيره : يعنى بالجندب تغلث فلا سر (٩) ملك الموصل ، وبالجراد شلمنأصرّ (١١) ملك الموصل (١٠) وبالدّبى (١٢) سنحاريب ابن ملك الموصل وبالصرصر نبوخدنصرّ (١٣).

(١٠) وفى كتاب أشعياء أنّ الرّبّ يتعزّر (١٤) على صنوبر (١٥) لبنان (١٦) المستعلية الشّامخة وعلى جميع شجر البلّوط الّذي (١٧) بأرض باشان (١٨) وعلى جميع الجبال الرّواسى ، وعلى كلّ هضبة منيعة. وعلى كل سور منيع (١٩) ، وعلى جميع سفن تارشيش ، وعلى كل منظرة رائعة. وقال فى تفسيره : يعنى بالصّنوبر وشجر البلّوط ، الاكابر والاصاغر من الملوك ؛ وكذلك بالجبال (٢٠) الرّواسى والهضبات (٢١) المنيعة (٢٢) ، يعنى بها ملوكا ثبت ملكهم وامتنعوا.

__________________

(١) ـ عمد : عمل AC ـ (٢) ـ او : وBC ـ (٣) ـ له : ـ A (٤) ـ يوئيل ـ بوادBC ـ (٥) ـ ابقى : اكله A (٦) الجراد الطائر : الجرادB (٧) الدبى : الدى A ، الدبادBC ـ (٨) الدبى : الّذي A ، الدباB (٩) ثعلث فلاسر : تفلتسقان B ، تفلتفسان C (١٠) ـ بالجراد ... الموصل : ـ A (١١) شلمنأصر : شلما يعشيرC : شلما يعشرB (١٢) بالدبى ـ ... الموصل : ـ AB (١٣) ـ بنو خد نصر : بحث النصرBC ـ (١٤) ـ يتعزر : يتدزA ، يتقررB (١٥) صنوبر : AC ضوبر : C (١٦) لبنان : لينان ـ AB (١٧) ـ الّذي : التى AC ـ (١٨) باشان : نيسار : AC نيسابورB (١٩) ـ على كل ... منيع : ـ A (٢٠) ـ بالجبال B (٢١) ـ الهضبات : الهضبان C (٢٢) المنيعة : ـ A

١٠١

وفيه أيضا قال الرّب : أطلق الرّسل السّراع الى شعب مخوف (١) ومستأصل الّذي أخربت (٢) الانهار أرضه ، فيجفّ الماء من البحر وتخرب الانهار ويقطع الزلّ (٣) بالمنجل ويجور (٤) القضيب فيها وينقضى (٥) ، لانّ الشعب لم يقبل حتى عوقب وأهلك الربّ من بنى اسرائيل الرأس والذنب فى يوم (٦) واحد (٧). وقال فى تفسيره : يعنى بالشعب المنتجبة (٨) ، وبالبحر فرعون (٩) ، وبالانهار قواده وبالزّل أغنياء (١٠) الحبشة ، وبالقضيب ملك بابل ، وبالرأس الشيخ البهى الوجه وبالذّنب ، النبي الّذي يعلّم الزور.

(١١) وفى كتاب حيقوق : إنما أضرب الامثال وأقول الاوابد ، والّذي يعقل يعرف هذه المقالات ، ويعلم أنّ طرق الرب معتدلة ، يسير الابرار فيها سيرا صالحا ، والائمة يعثرون فيها. يعنى : أنّ من علم معانى الامثال من كلام الأنبياء ، هو من الابرار ، فعرف مرادهم وجرى على سننهم بالعدل والصدق وكان صالحا. ومن جهل ذلك عثر ، فلم يصدق الأنبياء ونسبهم الى الكذب ، فكان بمنزلة من يعثر فى طريقه ؛ كفعل الملحدين الضالين.

(١٢) وفى (١١) كتاب صفينا ، قال الرب : إنى ازيل كلا عن وجه الارض ، زوالا ازيل (١٢) البهائم وطير السّماء وسمك البحر. وقال فى تفسيره : يعنى بالبهائم وطير السّماء ، الظالمين الذين كانوا يجتمعون على المساكين ، وبالسمك سائر الشعب.

(١٣) وفى كتاب ناحوم النّبيّ : يكون أثر عقاب الله كالغبار ، وييبس (١٣) البحر وتخرب الأنهار كلّها. وقال فى تفسيره : يعنى بالبحر ملك الموصل ، و

__________________

(١) ـ مخوف : عشوف A ، منتوف BC ـ (٢) ـ اخربت : اخرجت A ، اخرج C (٣) ـ الزل : الزرC (٤) يجوز : يجوزA ، يجورB (٥) ينقضى : ينقض C (٦) ـ يوم : ـ B (٧) واحدB (٨) المنتجبة : المنتخبةABC (٩) ـ فرعون : فرعون ABC (١٠) ـ اغنياء : غنيائه B (١١) ـ وفى : فى AB (١٢) الاوابد : اوابدB (١٣) ـ ييبس : يبس B

١٠٢

بالأنهار قوّاده. وفى كتاب بولس (١) المقدّم عند النّصارى الّذي يسمونه الرسول الصّالح ، فى رسالته إلى تيموثاوس (٢) أنّ البيت العظيم ليس تكون (٣) فيه أوانى الخشب والفخّار أيضا ، منها للكرامة (٤) ومنها للهوان. وقال فى تفسيره : يعنى الدنيا وما فيها من سعيد وشقى.

__________________

(١) ـ بولس : قولس ABC (٢) ـ تيموثاوس : طيمانوس ABC (٣) تكون : يكون (٤) ـ للكرامة : لكرامةA

١٠٣

الفصل الرابع

فى باب المثل والمعنى

(١) قد ذكرنا صدرا من هذه الأمثال التى هى (١) فى القرآن العظيم وفى سائر كتب الأنبياء (ع) الذين سلفوا ، وهى كثيرة جدا ، ولو تتبّعناها ، لطال بها الكتاب ، قد ذكرنا منها رسما (٢) ليستدلّ به على مذاهب (٣) الأنبياء وسننهم فى شرائعهم ، ويعلم أنّ الأمر فيه كما قلنا : إنّ أكثر كلامهم ورسومهم ، هى أمثال تختلف (٤) ظواهرها ، والمراد بها المعانى ؛ ومن جهل مرادهم ، ولم يعرف معانى كلامهم ، حكم عليه بالاختلاف والتّناقض ؛ كما فعله الملحد حين (٥) قضى فى ذلك بالكذب ، وأنزل الأنبياء الطّاهرين (٦) منزلة الكذّابين الفجّار ، جهلا منه بمعانى كلامهم ، وجرأة (٧) على الله عزوجل ، وكفرا وطغيانا ؛ ولو نظر فى دعاوى الأنبياء (ع) وحكم فى ذلك حسب ما نطقت به كتبهم ، ثم أنصف نفسه ، لما ضلّ عن طريق الهدى ، لأنّهم ادّعوا أنّهم يضربون الأمثال ، وأنّ لكلامهم معانى لطيفة ، وحثّوا على طلبها وتعليمها (٨) ،

__________________

(١) ـ هى : ـ C (٢) ـ رسما : ـ A (٣) مذاهب : مذهب A (٤) ـ تختلف : فختلف A (٥) ـ حين : حتى C (٦) الطاهرين : المرسلين C (٧) ـ جرأة : جرأةA ، جرأةB (٨) ـ تعليمها : تعلمهاB

١٠٤

وأنذروا ترك ذلك ، واحتجّوا على النّاس ؛ كما روى عن رسول الله (ص) أنّه قال : «ما نزلت عليّ آية إلّا ولها ظهر وبطن ، ولكل حرف حدّ ، ولكل حدّ مطلع». وكما روى عن أمير المؤمنين على كرّم الله وجهه (١) ، حين وصف القرآن فقال : «ظاهره أنيق وباطنه عميق ، لا تنقضى عجائبه ولا تفنى غرائبه»

وأذكر لك فى باب المثل والمعنى مثالا (٢) تستدلّ به على رسوم الأنبياء (ع) فى ذلك ، وتعرف مذاهبهم فيه ، وتتصور (٣) ذلك ، وتعلم كيف كان خطابهم لأممهم بالامثال ، وكيف اختلفت (٤) ألفاظهم واتّفقت معانيها ، وتعتبر به (٥) ، وتستدل بالقليل على الكثير ، وتعلم أنّ الملحد لمّا لم يعرف هذا الباب ، طعن على الأنبياء الصّادقين (ع) وقضى عليهم بالكذب ، وحكم فى كلامهم بالتناقض ، ولم يتأمّل دعاويهم ، أنّهم يضربون الأمثال ، فضلّ وهلك :

اعلم (٦) أنّ مثل من يسمع الأمثال (٧) من كلام الأنبياء (ع) ولا يعرف (٨) المعانى ، مثل من يشاهد قوما يعرفون بالصّدق والورع والعقل والتّمييز اطّلعوا فى بيت ، فسئلوا ، فقيل (٩) لهم : ما رأيتم فى هذا البيت؟ فقال أحدهم : ما رأيت فيه (١٠) إلا نعجة. وقال الآخر ، ما رأيت فيه إلا قارورة ، وقال الآخر ، ما رأيت فيه إلّا بيضة. فقيل لهم : لم اختلفتم ، وأنتم تعرفون بالصّدق ، ولا تنكر عقولكم؟ فقالوا : ضربنا أمثالا. ثم شهد كلّ واحد منهم لصاحبه أنّه قد صدق.

(٢) فاذا حكم من يسمع كلامهم بظاهر اللّفظ ، ولم يلتفت إلى دعواهم (١١)

__________________

(١) ـ كرم الله وجهه : ـ A ـ A ، + فى الجنةC (٢) ـ مثالا : مثلاC (٣) ـ تتصور : متصورA (٤) ـ اختلفت : اختلف AB (٥) به : بهاA (٦) ـ اعلم : واعلم B (٧) الامثال : الامتثال A (٨) لا يعرف : لم يعرف B (٩) ـ فقيل : وقيل BC ـ (١٠) ـ فيه : فيهاBC (١١) ـ دعواهم : دعواهم A

١٠٥

حين قالوا ضربنا أمثالا (١) ، ولم يسأل عن معنى كلامهم ، وحكم عليهم بالاختلاف والتّناقض ، وقضى عليهم بالكذب (٢) ، كان جاهلا متعدّيا ظالما ، ضالا عن الحق ، تاركا (٣) للإنصاف. ومن تأمّل كلامهم ودعواهم ، وسأل عن معنى الامثال التى (٤) ادّعوها ، وبحث عن ذلك ، وجدهم صادقين وكان مصيبا منصفا عادلا هاديا ؛ لأنّهم رأوا فى البيت امرأة ، فكنوا عن ذكرها : وضرب أحدهم المثل بالنّعجة والآخر بالقارورة ؛ لانّ المرأة ، يكنى عن ذكرها بالنّعجة ، كما قال الله عزوجل فى قصة داود (ع) والملكين حين ضرب المثل ، فقال أحدهما «هذا أخى (٥) له تسع وتسعون نعجة ، ولى نعجة واحدة» ؛ وأشار إلى المعنى. فعرف داود (ع) معنى المثل وأنّهما نبّهاه (٦) لخطئه فى أمر (٧) أوريا (٨). ويقال للمرأة قارورة إذا (٩) كنى عنها ، كما روى عن النبي (ص) أنّه قال فى بعض أسفاره ، ورجل من أصحابه يحدو (١٠) بهم (١١) المطّى ، فقال له النبي (ص) : «اتّق القوارير» يعنى به النّساء ، وكنى عن ذكرهن وأراد (١٢) أن ينهاه أن يتكلّم فى حداه بكلام رقيق تسمعه (١٣) النّساء ، فتصبو قلوبهن ، لانّهنّ ضعاف (١٤) العقول ، وإذا لم يصنّ ، صبون ، وفسدت قلوبهن (١٥) ، مثل القوارير إذا لم تصن ، انكسرت. ويقال للمرأة أيضا بيضة ، على التّشبيه ، كما قال الشاعر :

وبيضة خدر لا يرام خباؤها

تمتّعت من لهو بها غير معجل

__________________

(١) امثالا : الامثال (٢) ـ بالكذب : باكذب B (٣) ـ تاركا : ركاC (٤) ـ التى : ـ B (٥) ـ اخى : ـ C (٦) ـ نبهاء : ينهاه A ، بنهاB (٧) ـ امر : امرأةB (٨) اوريا : روياA (٩) اذا : اذA (١٠) ـ يحدو : يحدواC (١١) بهم : ـ C (١٢) ـ اراد : اراA (١٣) ـ تسمعه : يسمعه ABC (١٤) ـ ضعاف : ضعفاءBC ـ (١٥) قلوبهن : + لانهن ضعفاء العقول B

١٠٦

فكنى عن المرأة بالبيضة.

فعلى هذا المثال (١) سبيل (٢) كلام الأنبياء والرّسل فى ضرب الأمثال واختلاف ألفاظهم بها واتّفاق معانيها ، وتقدير الجاهلين (٣) فيها إذا حكموا بظاهر الالفاظ ؛ فنسبوهم (٤) إلى الاختلاف والكذب ؛ وهم البررة الصّادقون. (٣) ومثل هذا موجود فى رسوم الفلاسفة الحكماء القدماء (٥). فإنّهم ضربوا الأمثال فى كثير من كلامهم ، وذهبوا فى ذلك مذهب الأنبياء (ع) وسلكوا سبيلهم ؛ كما هو مكتوب فى كتاب برقلس (٦) ، أنّه : كان يناطق النّاس منطقين ، أحدهما روحانيّ والآخر جسمانىّ ؛ يعنى بالجسمانى الامثال ، وبالرّوحانىّ المعانى. وفى كتاب ديمقراط الفيلسوف ، أنّه : كان يتكلّم بالطّباع وكان لطيف المذاهب ، غامض المعانى ، وكان يكلّم النّاس بالعويص (٧) من الكلام. وكما ذكرت الفلاسفة أنّ أفلاطن (٨) كان أكثر كلامه رمزا. وفى كتاب «بليناس» ، أنّه : كان يضرب الامثال ، وقال : أنا بليناس (٩) صاحب الطّلسمات والعجائب ، أنا (١٠) الّذي أوتيت الحكمة من مدبّر العالم. ثم ضرب لهم الأمثال ، وقال : الآن أخبركم ، أنّى كنت يتيما من أهل طوانة (١١) ، لا مال لى. ثم ذكر المثل الّذي فى صدر كتابه من حديث السّرب المظلم ، والتّمثال من الحجر الّذي أقيم على عمود من خشب ، ودخوله السّرب بالسّراج تحت الاناء الصافى ، ونظره الى هرمس على السرير فى (١٢) السّرب ، واخذه الكتاب من بين

__________________

(١) ـ المثال : المثل B (٢) سبيل : ـ B (٣) ـ الجاهلين : للجاهلين A (٤) ـ فنسبوهم : فينسبوهم A (٥) ـ القدماء : العدماءA (٦) ـ برقلس : البرقلس C ، القيلوس AB ، الفيلسوف C اشير الى هذه الاسم مرة اخرى فى آخر الفصل فاعتمدناه لصحته وصححناه (٧) ـ بالعويص : بالعريض A ، بالعريص C (٨) ـ افلاطن : افلاطون B (٩) ـ بليناس : يبلناس C (١٠) ـ انا : واناB (١١) ـ من اهل طوانة : ـ B (١٢) ـ الى هرمس على السرير فى : من هو على السرير من B

١٠٧

يديه الّذي فيه سر الخليقة. والامثال الكثيرة التى ضربها ، والرؤيا التى ذكرها ، يطول بشرحها الكتاب.

فهلّا تدبّر الملحد الجاهل كلام الأنبياء (ع) حين (١) ادعوا أنهم يضربون الامثال ، فكان يحكم فيهم حسب دعاويهم؟ وهلّا (٢) طلب معانيها ، ثم حكم فيها (٣) بالصدق والكذب والائتلاف والاختلاف ، فيكون مصيبا منصفا؟ أم (٤) ، هلّا حكم برسوم الفلاسفة حين (٥) جحد النبوة؟ ولكنه حمله (٦) على ترك الانصاف ، لجهله (٧) بمراد الأنبياء واعجابه بوساوسه التى غرق فيها ، وادّعى انّها حكمة وفلسفة ، وغرّته الامانى ؛ فضلّ واضلّ ، وأهلك واهلك ، حبا منه للرئاسة الخسيسة التى كان يدّعيها ويتشبّه بالفلاسفة القدماء كما تشبّه به (٨) امثاله من الموسوسين (٩) الكذّابين (١٠) ، وكذّبوا الأنبياء الطّاهرين ؛ وسيعلمون غدا من الكذّاب الأشر.

(٤) فشرائع الأنبياء كلّها (١١) ، أسّست (١٢) على العلم والحكمة ، وكتبهم ورسومهم هى (١٣) على ما ذكرنا ، متّفقة المعانى ، وإن اختلفت (١٤) ظواهرها ؛ لانّها أمثال مضروبة رمزوا لأممهم بما رسموه (١٥) من ذلك ، وأمروهم باقامة ظاهرها ، ليقوم العباد (١٦) فى العالم ، وتتّصل السّياسة ، ويثبت الأمر والنّهى ، وينتظم امر العالم ، ويكون فيه قوام أمرهم فى دنياهم ، وتكون (١٧) هذه الرّسوم دالّة على ما تحتها من المعانى التى (١٨) بها نجاتهم فى أخراهم (١٩). فكلّ (٢٠) من نسخ ظاهر ألفاظ

__________________

(١) حين : حتى B (٢) ـ وهلا : فهلاAC ـ (٣) فيها : ـ B (٤) ـ أم : وB (٥) حين : حتى BC ـ (٦) حمله : حمل A (٧) ـ لجهله : وجهله A ، جهله C (٨) ـ به : بهم B (٩) المسوسوين : المسوسين A (١٠) الكذابين : المكذبين B (١١) ـ كلها : ـ B (١٢) اسست : اسس A (١٣) ـ هى : ـ A (١٤) اختلفت : اختلف A (١٥) ـ رسموه : رسوه B (١٦) ـ العبادة العبادةB (١٧) ـ تكون : يكون ABC (١٨) ـ التى : ـ C (١٩) اخراهم : آخرهم A (٢٠) فكل : وكل A

١٠٨

من تقدمه وظاهر رسومه ، أتى برسوم تدلّ على المعانى التى دلّ عليها صاحبه ، وإن خالفه فى ظاهر ألفاظه. وكان (١) أصحاب الشّرائع من الأنبياء نفرا معدودين (٢) ؛ فأمّا سائر الأنبياء (ع) فانّهم كانوا يدعون إلى شرائعهم وأحكامهم ؛ وكان قصد أصحاب الشّرائع أجمعين ، لإقامة الدّين الحقيقىّ الّذي لا تفرّق فيه ولا اختلاف ؛ كما قال الله تعالى (٣) : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (٤)).

فهذه الآية (٥) تدلّ على أنّ شرائعهم كلّها ، كانت تدعو إلى دين لا تفرّق فيه. وقال فى آية أخرى : (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً). فهذه الآية تدلّ أنّ لكلّ واحد منهم شريعة غير شريعة صاحبه ، ومنهاجا غير منهاجه. فهذا (٦) فى ظاهر الامر (٧) مختلف كما ترى. فمن قدّر أنّ هذا تناقض ، وأنّ محمّدا (ص) مع ما وصفناه به (٨) من الكمال والجمع للاخلاق الجميلة التى ذكرناها ، كان لا يعقل ما يقول ، حين (٩) تلا على النّاس هذه الآية ، وعرّفهم أنّ (١٠) الله عزوجل شرع لهم من الدّين ما وصّى به (١١) نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى (١٢) ، وشهد لهم بالنّبوّة ، ثم أمرهم باقامة سنن غير سننهم وشرائع غير شرائعهم ، وأنّه كانت به من الغفلة ما لم يعرف معنى الآيتين ، أنّهما مختلفتان (١٣) فى ظاهر اللّفظ ، و (١٤) (أنّ) من حضره من أصحابه ، وأخذ واعنه الدّين (١٥) ، جهلوا ذلك ، فمن ظنّ هذا أو قدّره ، فقد جهل وعاند ؛

__________________

(١) ـ كان : ـ B (٢) ـ معدودين : B (٣) ـ تعالى : ـ A (٤) ـ وصينا به : + نوحا وB (٥) ـ الآية : ـ AC ـ (٦) ـ فهذا : فهذه A (٧) الامر : اللفظAC ـ (٨) ـ به : ـ B (٩) ـ حين : حتى B (١٠) ـ ان : ـ B (١١) ـ به : ـ B (١٢) وعيسى : ـ B (١٣) ـ مختلفتان : مختلفان B (١٤) و : اوC (١٥) ـ الدين : الذين C

١٠٩

ونعوذ بالله أن نظنّ به ذلك ؛ بل ، كان أعلم بما يقول ويشرّع من الملحدين الظّانّين (١) به ظنّ السّوء ـ (عليهم دائرة السّوء) ـ و (٢) إنّما عنى أنّ لكلّ واحد منهم شريعة ومنهاجا (٣) فى الظّاهر غير شريعة صاحبه ومنهاجه ؛ ولكنّهم كلّهم أشاروا إلى معان (٤) متّفقة لا تناقض فيها ولا اختلاف. ألا تراه عزوجل يقول (٥) : (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) ، ثمّ قال : (اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) أى أنّ الله عزوجل يهدى إلى معانيها التى تدلّ على الدّين الحقيقىّ الّذي يدعو إلى وحدانيّته وإلى معرفته ومعرفة أوليائه الذين لا تفرّق فيهم ولا اختلاف بينهم ، من ينيب إليه ، ويرجع إلى اوليائه فى طلب معانيها ؛ فيكون فى رجوعه إليهم رجوعه إلى الله جلّ وعزّ ، ويكون (٦) فى معرفته (٧) معانى كلام الله ، هدايته وخروجه من الاختلاف والضّلال. فالاختلاف الّذي كان بينهم ، فى ظاهر شرائعهم. هكذا كان سبيله ؛ لأنّهم لم يقصدوا ظاهر الشّرائع دون المعانى التى تحتها ، بل كان قصدهم لها (٨) ، جميعا ؛ ثم حثّوا (٩) الأنام على طلب معانيها المؤتلفة التى بها نجاتهم.

(٥) فلذلك جاز (١٠) لهم نسخ ظاهرا الشّرائع ، ومخالفة بعضهم لبعض فيها ؛ لأنّها كانت أمثالا (١١) مضروبة فى كتبهم وسننهم. فألزموا النّاس إقامتها ، وجعلوها أصل العبادة ، وافترضوا عليهم القيام بها ، وأكرهوهم على قبول ظاهر ما أتوا به ، وأجبروهم على إقامة ما شرعوه (١٢) ، لتثبت (١٣) آثارهم ورسومهم فى العالم ، وتظهر الطّاعة والمعصية ، وتقوم الطّاعة بالعبادة (١٤) ؛ ويساس بهذه الشّرائع الخاصّ والعامّ ، ويستقيم امر العالم ؛ لانّ صلاح أمر العالم

__________________

(١) ـ الظانين : الضالين B (٢) و : ـ B (٣) ـ منهاجا : منهاج B (٤) معان : معانى AB (٥) ـ عزوجل يقول : يقول عزوجل ABC (٦) ـ ويكون : فيكون C (٧) معرفة : ـ A (٨) ـ لها : ـ A (٩) حثوا : حثوA (١٠) ـ جاز : حازB (١١) ـ امثالا : ـ C (١٢) ـ شرعوه : شرعواB (١٣) لتثبت : ليثبت ABC (١٤) ـ بالعبادة : ـ A

١١٠

فى هذه الدّنيا ، لا يتمّ إلّا بالإجبار والقهر والغلبة ؛ لاختلاف طبائع النّاس وهممهم (١) فى اديانهم وأمور (٢) دنياهم. فلذلك أجبروا النّاس على قبول ظاهر شرائعهم التى تدلّ على المعانى اللّطيفة ، وأسّسوا الدّين على قبول الظّاهر والباطن ، ليكون فى قبولهم (٣) ظاهر شرائعهم ، وقبولهم الحدود (٤) التى سنّوا فيها ، قوام أمورهم فى دنياهم ، وحقن دمائهم ، وتحصين أموالهم ، وذراريهم ، ومنعهم الفتنة من التعدّى والفساد فى الارض والبغى والهرج ، ويكون فيه صلاح أحوالهم ؛ إذ كان فيهم العالم والجاهل ، والصالح والطّالح (٥) ، والورع والمنتهك (٦) ، والعاقل والغبىّ على اختلاف طبائعهم وتفاوت طبقاتهم. فلذلك ، أمرهم الله عزوجل ، أن يلزموا النّاس قبول ظاهر رسومهم وحدودهم بالقهر والاجبار ؛ كما قال الله عزوجل لنبيّه محمّد (ص) : (وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ويكون الدّين (٧) كلّه لله). فأمره بقتالهم حتّى قبلوا ما جاء به. فلما أقام فيهم السّنن والاحكام الظّاهرة ، أمره أن يفوّض إليهم (٨) أمر دينهم ، فقال : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَ) ، وقال تعالى (١٠) : (اللهُ وَلِيُ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ (١٢) إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ).

فأمره فى آية أن يقاتلهم ويكرههم على قبول ما أتى به ، وأمره فى آية أن (١٣)

__________________

(١) ـ هممهم : همم A (٢) امور : امرB (٣) ـ قبولهم : قلوبهم C (٤) الحدود : المحدودA (٥) ـ الصالح والطالح : الطالح والصالح A (٦) المنتهك : المنهك AB (٧) ـ الدين : الذين A (٨) ـ إليهم : ـ B (٩) ـ الوثقى : + لانفضام لهاB (١٠) تعالى : ـ AC ـ (١١) ـ ولى : + الله A (١٢) ـ الظلمات : + فاولئك اصحاب النار هم فيها خالدون C (١٣) ـ يقاتلهم ... ان : ـ B

١١١

لا يكرههم وأن يخيّرهم فى أمر دينهم ولا يجبرهم (١) عليه ليختاروا لانفسهم ، وأمرهم بطلب ما فيه نجاتهم من المعانى التى تحت شرائعهم الظّاهرة ، وحثّهم على ذلك على أحسن الوجوه بالإعذار والإنذار والموعظة الحسنة ، كقوله : «أطلبوا العلم ولو بالصّين» ، وقوله : «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم».

فهذا ما دلّ عليه القرآن ، وكذلك هو (٢) فى سنّة النّبي. قال (٣) (ص) ، «أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله الّا الله ، فاذا قالوها عصموا منّى (٤) دماءهم وأموالهم الّا بحقّها وحسابهم على الله.» ألا تراه يقول (٥) : أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا (٦) لا إله إلّا الله ؛ فقاتلهم حتى قالوها وقبلوا شرائعها ثم خيّرهم بعد ذلك. كما روى أنّه سئل ، فقيل له : يا رسول الله ، من قال لا إله إلّا الله دخل الجنّة؟ فقال : نعم ، من عرف حدودها وأدّى حقوقها». فدلّ أن بعد هذه الشهادة وقبول شرائعها ، الأمر هو مفوّض إليهم فى معرفة حدودها وأداء حقوقها (٧) ، وحسابهم على الله ؛ لانّهم مخيّرون فى ذلك لا مجبرون. ومعرفة حدودها ، هى (٨) معرفة ما تحتها من المعانى ، وتحت الشّرائع المنوطة (٩) بها ؛ وأداء حقوقها ، هو القيام بظاهر شرائعها.

(٦) فهكذا (١٠) سبيل شرائع الأنبياء (ع) ، وبهذا نطق القرآن العظيم (١١) وسائر الكتب ، على حسب ما ذكرنا. ويجب أن يحكم فى ذلك بما ادّعوه (ع) لانفسهم ونطقت به كتبهم (١٢) ، ولا يحكم فى ظاهر ألفاظهم دون معانيها. فانّ من خالف

__________________

(١) ـ فى امر دينهم ولا يجبرهم : ـ C (٢) ـ هو : ـ A (٣) قال : ـ C (٤) ـ منى : حق A (٥) ـ يقول : يقل C (٦) يقولوا : يقول B (٧) ـ فدل ... اداء حقوقها : ـ B (٨) ـ هى : هوABC (٩) ـ المنوطة : النوطةA (١٠) ـ فهكذا : فهذاB (١١) العظيم : الكريم B (١٢) ـ كتبهم : وكتبهم A

١١٢

ذلك ، جرى مجرى الملحدين الذين (١) قضوا على الأنبياء البررة بالكذب والاختلاف والتناقض. فكلام الأنبياء ، هو مبنىّ على الحكمة ؛ والحكمة هى العمل بالعلم. فاذا اجتمع العلم والعمل ، سمّى (٢) ذلك حكمة. ومن عمل عملا بمعرفة وعلم ، سمّى حكيما. والّذي يعمل عملا بلا علم ، فهو جاهل ؛ والجهل يدعو إلى العدوان والبغى. والأنبياء (ع) خصّوا (٣) بعلم ما فى شرائعهم المستحقين الخاضعين ، ولم يبخلوا به عليهم ؛ وصانوه عن الباغين المعتدين الذين ليسوا له بأهل ، كما روى أنّهم قالوا : لا تضع الحكمة فى غير أهلها فتضيعها ، فتكون (٤) كمن (٥) ينثر الدّر بين يدى الخنازير ، ولا تمنعها عن أهلها فتكون قد ظلمتها.

فتدبّر رحمك الله ما قد شرحته لك بعين (٦) النّصفة ، واجتنب العناد والبغى ، وانظر فى سنن الأنبياء ورسومهم وشرائعهم لتعرف مرادهم ولتعلم لما ذا قصدوا ، والى ما ذا (٧) دعوا ، وليزول الشّكّ والشّبهة عن قلبك ؛ وتعلم أن الملحدين حين عابوهم بالاختلاف فى ظاهر شرائعهم ، قد ضلّوا عن سبيل الهدى ، لمّا جهلوا هذا (٨) الباب ولم يعلموا أنّ تحت شرائعهم الظّاهرة المختلفة ألفاظها معانى تؤلف بينها ؛ فعند ذلك ادّعوا عليهم التّناقض ؛ كما ادّعى الملحد فى كتابه أنّ محمّدا (٩) (ص) خالف موسى وعيسى (ع) ، وأنّ بعضهم خالفوا بعضا ، وقال : انّ كتاب محمّد (ص) هو مملوء من التّناقض ، وذكر ما فى التّوراة من ظاهر ما رسمه موسى (ع) فى ذكر البساط والخوان ، ووضع الشّحم والثرّب (١٠) على النار لسرور الرب وأنّ عتيق الأيّام فى صورة شيخ أبيض

__________________

(١) ـ الذين : ـ C (٢) ـ سمى : يسمى B (٣) ـ خصوا : ـ B (٤) ـ فتكون : وتكون AC ـ (٥) كمن : كن A (٦) ـ لك بعين : لاربعين A (٧) ـ ما ذا : ماAB (٨) ـ هذا : لهذاC (٩) ـ محمدا : محمدC (١٠) ـ الثرب : التراب A

١١٣

الرّأس واللّحية ، وما ذكر عن رواة الحديث وأعلام الأمّة ونسبهم إلى الجهل وذكرهم بالقبيح لروايتهم الأخبار التى ادعّى عليها التّناقض ، والتى تدلّ على التّشبيه ، مثل ما روى عن النّبيّ (ص) أنّه قال «رأيت ربّى فى أحسن صورة ووضع يده بين (١) كتفى حتّى وجدت برد أنامله بين ثندوتّى» وما (٢) فى القرآن من الآيات التى ظاهر ألفاظها يدلّ على التشبيه ، مثل قوله عزوجل : (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) ، وقوله : (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ) ، وقوله (٣) : (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ) ، وقول رسول الله (ص) : «جانب العرش على منكب اسرافيل وانّه ليئط أطيط الرّحل الجديد». هذا الى غير ذلك ، ممّا أورده الملحد فى كتابه وشنّع (٤) به وذكر أنّه تناقض وخرافات.

(٧) ولعمرى لو كان ما رسمه الأنبياء (ع) فى شرائعهم وما نطقت به كتبهم ، من عند غير الله ، وكان ظاهرا لا معانى له ولا تأويل ، لكان الامر على ما ادّعاه الملحد ؛ فقد قال الله (٥) عزوجل : (فَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) ، يعنى : أنّ من تدبّره ، وجد فيه الأمثال المختلفة الألفاظ ، ولو كان من عند غير الله ولم يكن مبنيّا (٧) على الحكمة كما قلنا إنّ من (٨) تحتها معانى غامضة تؤلف بينها ، لوجدوا فى ظاهره (٩) اختلافا كثيرا. فلما كان (١٠) من عند الله وكان سبيله ما قلنا ، زال عنه طعن الملحدين ودعاويهم أنّه

__________________

(١) ـ بين : + يدى A (٢) ـ ما : ـ A (٣) ـ ويحمل ... وقوله : ـ A (٤) ـ شنع : تشنع A (٥) ـ الله : ـ A (٦) ـ كثيرا : ـ A (٧) ـ مبنيا : بيناA (٨) من : ـ C (٩) ـ ظاهره : ـ C (١٠) كان : ن A

١١٤

متناقض ، وبطلت ظنون الضّالين وظهر صدق النّبيّين الطّاهرين صلوات الله عليهم أجمعين (١).

ومن سلك سبيل الملحدين ، وقضى فى رسوم الأنبياء (ع) بالظّاهر دون المعانى والتأويل ، وقع فى الشّكّ والشّبهة ، وأدّاه ذلك إلى العمى والحيرة (٢) ، وخرج إلى التّعطيل والإلحاد كما ظنّ الملحدون ؛ إلّا الضّعفاء المقلّدين (٣) الذين لا يحسنون النّظر ولا يستطيعون أن يميّزوا ، وليس ذلك فى وسعهم ، فأولئك قد وعدهم الله العفو والرّحمة. وقد (٤) أمر الله عزوجل (٥) بردّ (٦) ما اختلف لفظه والتبس معناه من آيات القرآن والأخبار التى رويت ، مما ظاهرها يدلّ على التّشبيه و (أنّ) فيها تناقضا واختلافا (٧) ، إلى العلماء. فقال جلّ ذكره (٨) : (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا (١٠) فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلاً) (٩) ، أى : لو لا تفضّله علينا ورحمته بنا حين أقام فينا من نردّ إليه ما نختلف فيه ، ليستنبطه (١١) بما أوتى من العلم لكى لا نضلّ ولا نشكّ ، لشكّ أكثر النّاس ، وصاروا أتباعا للشّياطين الّذين يطعنون على الأنبياء البررة ، وينسبونهم إلى ما هم منه براء. وقال فى آية أخرى : (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ، فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) ، قالوا فى تفسير ذلك ، ردّوا (١٢) الى الله أى إلى الكتاب ،

__________________

(١) ـ صلوات الله عليهم اجمعين : ـ A (٢) ـ العمى والحيرة : الحيرة والعمى B (٣) ـ المقلدين : المقلدون ABC (٤) ـ وقد : فقدC (٥) عزوجل : ـ A (٦) ـ برد : فى ردABC (٧) ـ تناقضا واختلافا : تناقض واختلاف ABC (٨) ـ جل ذكره : ـ A (٩) ـ لعلمه : يعلمه A (١٠) لا : ـ C (١١) ـ ليستنبطه : يستنبطه B (١٢) ـ ردوا : ردوه B

١١٥

وإلى الرّسول أى إلى السّنّة (١). (و) فى كلّ زمان وأوان من يقوم بالكتاب والسّنّة ويستنبط تأويل ما يختلف لفظه. فسبيل ما فى الكتب المنزّلة وفى أخبار الأنبياء (ع) كما ذكرنا ؛ أنّ منها ما يقع فيه النّسخ فيختلف (٢) الحكم فيه ، ومنها ما يستغلق معناه ، ومنها ما معناه واضح.

__________________

(١) اى الى السنة : الى السنة : الى النسةB (٢) ـ فيختلف : فتختلف C

١١٦

الفصل الخامس

[فيما] ذكره الملحد ممّا فى التّوراة

(١) والّذي ذكره الملحد ممّا فى التّوراة ، قوله (١) : ما لكم تقرّبون إليّ كلّ عرجاء وعوراء؟ فانّ الله امتحن عباده بالاعمال التى سنّها الأنبياء (ع) فى كتبهم وسننهم ، مثل الصّلوات (٢) والصّيام والزّكاة والقرابين وغير ذلك. ولما امتحنوا بالقرابين ، كان فيهم من كان صادق النّيّة ؛ ومن كان فاسد النّيّة ؛ والأمم (٣) كلّها لا تخلو من ذلك. فمن (٤) صدقت نيّته ، قرّب خير ما يملكه ؛ ومن ضعفت نيّته (٥) ، قرّب أردأ (٦) ما يملكه ؛ فكان أصحاب النّيّة الفاسدة يقرّبون إلى الله كلّ عرجاء وعوراء (٧) ، لو اهدوها إلى أمثالهم من النّاس ، لاستحقروها (٨) ولم يقبلوها. فوبّخهم الله على ذلك ليرتدعوا ويخلصوا (٩) نيّاتهم. ومثل هذا فى القرآن فانّه لمّا افترض الله الزّكاة فى هذه الأمّة

__________________

(١) ـ قوله : وقوله C (٢) ـ الصلوات : الصلاةB (٣) ـ الامم : الامةA (٤) ـ فمن : + كان B (٥) ـ نيته : ـ B (٦) أردأ : ردى A ، اردى BC ـ (٧) ـ عوراء : + التى ABC (٨) ـ لاستحقروها : ولاستحقروهاB (٩) يخلصوا : يصلحواC

١١٧

فى أموالهم ، من ضعفت نيّتهم (١) ، كانوا يخرجون من زكاة تمورهم التّعضوض والمعافار وهما جنسان من ردئ التّمر ، فأنزل الله عزوجل : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ (٢) ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا (٣) أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) ، أى : لا تقصدوا الى أخبث التمور وأردئها (٤) ، فتخرجوه فى زكاة أموالكم ، وإن احتجتم أن يأخذه بعضكم من بعض لا تأخذوه حتى تغمضوا فيه ، أى ترخصوا فيه (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) غنىّ عن أموالكم يحمدكم على حسن (٥) أعمالكم. ثم قال : (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ) أى : يعدكم أنّكم إذا أخرجتم زكاة (٦) اموالكم افتقرتم ، (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ) قالوا (٧) : الفحشاء هى (٨) البخل ، (وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ (٩) وَفَضْلاً (أى : يخلف عليكم أفضل ممّا (١٠) تنفقون وأكثر منه ، وعرفهم أنّه يمتحنهم ويمتحن نياتهم.

فهذا مثل ما فى التّوراة سواء ؛ حين قال : ما لكم تقرّبون إليّ كلّ عرجاء وعوراء ؛ أى : إنّ الله امتحنكم بالقرابين ، ليظهر من هو صادق النّيّة ممّن هو فاسد النّيّة ، ووبّخ من فسدت نيّته وأساء اختياره لنفسه فى إيثار الدّنيا على الدّين لشحّه ، وقرّب أردأ (١١) ما يملكه مثل العوراء والعرجاء ، وبكّتهم على ما ظهر من سوء نيّاتهم ؛ ليرجعوا عن ذلك ويصلحوا سرائرهم. فسبيل (١٢) ما (١٣) فى التّوراة من ذكر العوراء والعرجاء ، وما فى القرآن من قوله عزوجل :

__________________

(١) ـ نيتهم : نيته ABC (٢) ـ طيبات : + من A (٣) مما : ماB (٤) ـ اردأها : ارديهاA ، ارداها ، BC (٥) ـ على حسن : الى احسن A (٦) ـ زكاة : زكوات A (٧) ـ قالوا : وقالواA (٨) هى : هوABC (٩) مغفرة منه : منه مغفرةB (١٠) ـ مما : ماB (١١) ـ أردأ : اردى ABC (١٢) ـ فسبيل : فسئل A (١٣) ـ ما : هماA

١١٨

(وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) (١) ، واحد.

وهكذا السّنّة فى الاسلام ، فى الهدى والبدن التى تنحر بمنى للقربان وفى سائر الامصار من الضّحايا ، لا يجوز فيها العوراء والعرجاء ، ولا ذات عيب ، ولا يصلح ، إلّا صحيحة (٢) غير معيوبة. والله عزوجل لا يصل إليه نفع ما يهديه النّاس ويقربونه إليه ـ تعالى الله عن ذلك ـ بل تصل (٣) إليه أعمال العباد وما يظهر من نيّاتهم ؛ كما قال جلّ ذكره (٤) : (لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ). فقد بيّن عزوجل أنّه يمتحنهم بذلك ليظهر تقواهم وشكرهم لله على ما هداهم (٥) ، ويظهر (٦) صدق نيّاتهم. وكذلك سبيل الشّحم والثّرب الّذي أمروا أن يضعوه على النّار لسرور (٧) الرّب. أتراه عزوجل أراد أن يصل إليه قتار ذلك الشّحم والثّرب؟! عزّ الله عن ذلك وتعالى عما يظنّ به الملحدون علوا كبيرا

(٢) وأمّا ما ذكر من أمر البساط الرّقيق من أبريسم (٨) والخوان من الشّمشار (٩) وغير ذلك ممّا استفظعه الملحد وعابه ، فان ذلك كلّه صحيح وسبيله ما قلنا ، إنّها أمثال وتحتها معان (١٠) غامضة ؛ وما لم يذكره الملحد ممّا (١١) هو فى التّوراة من هذا الباب ، هو كثير جدا ؛ ممّا أمر به موسى (ع) بنى إسرائيل فى اتّخاذ قبّة الزّمان وآلاتها ، يقول فى التّوراة : كلّم الرّبّ موسى و

__________________

(١) ـ لا : ـ A (٢) ـ صحيحة : صحيح A (٣) ـ تصل : يصل ABC (٤) ـ جل ذكره : ـ A ـ A ، عزوجل B (٥) ـ هداهم : + به B (٦) يظهر : ظهرC (٧) ـ لسرور : لستةABC (٨) ـ إبريسم : ابريشم ABC (٩) ـ الشمشار : الشمشادA (١٠) ـ معان : معانى ABC (١١) ـ مما : فماA

١١٩

قال له ، قل لبنى إسرائيل ليجمعوا الذّهب والفضّة والنّحاس والرّقم والأرجوان (١) والقرمز ومسوك الكباش (٢) ومسوك الأدم (٣) وخشب السّنط وحجارة البلّور والأحجار الجيّدة لقواعد البيت ، ليصنعوا (٤) لى مقدسا (٥) ، لأحلّ (٦) بينهم. ثم وصف لهم كيف يتّخذون قبّة الزّمان ، وكم ذراعا (٧) يكون طولها (٩) وعرضها وسمكها وأساطينها ، وكم أسطوانة تكون من فضّة وكم (٨) أسطوانة تكون (١٠) من نحاس ، وأمرهم باتّخاذ المذبح ، واتّخاذ تابوت الشّهادة من خشب الشّمشار (١١) ، طوله ذراعان ونصف ، وعرضة ذراع (١٢) ونصف ، وارتفاعه ذراع ونصف ، ويجعل له أربع حلقات ذهب فى أربع زواياه فوق أربع قوائمه وعمدا (١٣) من خشب الشّمشار ليحمل بها التّابوت ، وتغشّى (١٤) بالذّهب ، واتخاذ حشا (١٥) من ذهب خالص طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف وارتفاعه ذراع ونصف ويجعل (١٦) له كروبين (١٧) من ذهب يجعلهما (١٨) من كلا (١٩) جانبى (٢٠) الحشا ، كروب من جانبه (٢١) من (٢٢) هاهنا وكروب من جانبه من هاهنا. ويجعل على أعلى الحشا (٢٣) كروبين على جانبيه (٢٤) ، قد بسطا أجنحتهما من فوق يظلّان بأجنحتهما على الحشا ووجهاهما (٢٥) متقابلان على

__________________

(١) ـ الارجوان : الاجوان ABC (٢) الكباش : الكبائش B (٣) الادم : الازم A (٤) ـ ليصنعوا : لصعواB ، ليضعواC (٥) مقدسا : مقدراA (٦) ـ لاحل : لاجل A (٧) ذراعا : زراع A (٨) ـ طولها ... من فضة وكم : ـ B (٩) طولها : لهولهاA (١٠) ـ تكون : يكون ABC (١١) ـ الشمشار : الشمسادA ، الشمسارB (١٢) عرضه ذراع : عرضه B (١٣) ـ عمدا : عملاA (١٤) ـ تغشى : تغش A (١٥) حشا : خشاA (١٦) ـ يجعل : تجعل A (١٧) كروبين : كربين B (١٨) ـ يجعلهما : يجعلهاA (١٩) كلا : كلى AB (٢٠) جانبى : جانب : B (٢١) ـ جانبه : جانب A (٢٢) من : ـ A (٢٣) ـ الحشا : الحشرA (٢٤) جانبيه : جانبه A (٢٥) وجهاهما : وجوههاA

١٢٠