🚘

أعلام النبوّة

أبو حاتم الرازي

أعلام النبوّة

المؤلف:

أبو حاتم الرازي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسه پژوهشى حكمت و فلسفه ايران
المطبعة: صارمي
🚘 نسخة غير مصححة

يقرّبه ويودّه ويشفق عليه ويختصّه من بين جميع النّاس ؛ فأعلمهم أنّ قربه من الله عزوجل واختصاصه به ، كاختصاص الولد بوالده ، وأنّ الله يحبّه ويودّه ويشفق عليه (١) ، كمحبّة الوالد لولده وإشفاقه عليه وودّه (٢) له ؛ وأنّه ولىّ الله كما قال فى مواضع كثيرة (٣) من الإنجيل ما يدلّ على ما قلنا. وقال لحواريّيه (٤) أنتم أبناء الله (٥) ، على هذا المعنى ، أى أنّ الله اختصّهم واختارهم وأنّه يودّهم (٦) ويشفق عليهم.

(٣) وقال لليهود (٧) انّهم (٨) أبناء الشّيطان (٩) ، كما هو مكتوب فى الإنجيل ، أنّ اليهود قالت له : أنت تشهد لنفسك وما شهادتك عندنا بصادقة. فأجابهم وقال : كالّذي (١٠) علّمنى أبى ، كذلك أنطق وأقول ، وإنما أسعى بمرضاته فى كلّ (١١) حين ؛ فأما أنتم فانّما تعملون أعمال أبيكم. قالوا له (١٢) : لسنا لغير الله وإنّما أبونا الله الواحد القهّار. قال (١٣) لهم : لو كان الله أباكم ، لأجبتمونى وأطعتموني لأنّى جئت من عند الله ؛ وإنّما أنتم من أب باغ (١٤) أشر (١٥) ، وإنّما تريدون العمل بشهوة أبيكم الّذي لم يزل من بدء (١٦) أمره للنّاس قاتلا ، ولا يقوى (١٧) على الحق لأنّه ليس فيه شيء من الحقّ لأنّه كذوب وأبو الكذب ومنشئه ومبتدعه (١٨) ؛ ومن كان من الله فانّه يسمع كلام الله ويطيع أمره ؛ وأنتم (١٩) لا تسمعون ولا تصدّقون لأنّكم لستم من أولياء الله.

__________________

(١) ـ يختصه ... يشفق عليه : ـ A (٢) ـ ووده : وده B (٣) مواضع كثيرة : موضع كثيرB ، موضع كثيرةC (٤) ـ لحوارييه : لحواريه A ، الحواريه B (٥) الله : عزوجل BC ـ (٦) ـ يودهم : يودوهم B (٧) ـ لليهود : اليهودA (٨) انهم : نحن A (٩) الشيطان : الشياطين A (١٠) ـ كالذى : الّذي B (١١) كل : ـ A (١٢) ـ له : ـ AB (١٣) ـ قال : وقال A (١٤) ـ باغ : باغى A (١٥) اشر : اشرف B ، ـ C (١٦) ـ بدء : بدوAC ـ (١٧) ـ يقوى : يقواA ، يقوم BC ـ (١٨) ـ مبتدعه : مستبدعه B (١٩) ـ وانتم : فانتم B

١٦١

فانظر (١) فى هذا الكلام واستدلّ (٢) به على ما قلنا : إنّه إنّما أراد (٣) أنّه ابن الله على ما وصفنا. ألا تراه يقول لليهود : كالذى علّمنى أبى (٤) كذلك أنطق ، وأنتم فانّما تعملون أعمال أبيكم ؛ وهم يقولون له : لسنا لغير الله ، وإنّما أبونا الله الواحد القهّار ؛ ولم (٥) يعنوا أنّه أبوهم من جهة الولادة ، ولكن أرادوا أنّهم أولياءه كما وصفنا؟ ألا تراه يقول : وأنتم (٦) من أب باغ (٧) أشر ، وإنّما تريدون العمل بشهوة أبيكم ، يعنى به أنّهم أبناء الشّيطان ، لا أنّهم (٨) ولدوا منه ، ولكنهم (٩) أولياؤه؟ ألا تراه يقول : لستم من أولياء الله ، ويقول لأنّه كذوب وأبو الكذب (١٠) ؛ فجعل الشّيطان أبا الكذب ؛ وقال (١١) : لو كان الله أباكم لأجبتمونى ؛ وقال (١٢) : لستم من أولياء الله (١٣). فهذا كلّه يدلّ (على) أنّه لمّا قال لهم أبناء الله ، عنى به أولياء الله (١٤). وكذلك (١٥) حين قال إنّه ابن الله ، أى أنّه ولىّ الله.

قال لحواريّيه (١٦) فى الإنجيل : آمنوا بالنّور لتكونوا لله أبناء. وأيضا فى الإنجيل أنّه ظهر لمريم المجدلانيّة بعد أن خرج من القبر ، وقال لها : لا تقربينى (١٧) فانّى (١٨) لم أصعد إلى عند أبى (١٩) ، ولكن انطلقى وقولى لاخوتى إنّى صاعد (٢٠) إلى أبى وأبيكم وإلهى وإلهكم. ويقول أيضا : استعلن (٢١) ابن الله لأن يبطل أعمال الشّيطان كلّ من ولد من الله لا يكون خاطئا لانّ زرعه فيه ثابت وبهذا يستبين

__________________

(١) ـ فانظر : فانظرواC (٢) استدل : استدلواC (٣) اراد : اردناA (٤) ـ ابى : انى B (٥) ـ ولم : لم BC ـ (٦) ـ وانتم : انتم A (٧) باغ : باغى A (٨) ـ لا انهم : لا بانهم AC ، لا بائهم B (٩) لكنهم : لكنه C (١٠) ـ الكذب : للكذب C (١١) قال : قالواC (١٢) ـ قال : يقول ABC (١٣) لستم ... الله : ـ B (١٤) فهذا ... اولياء الله : ـ AB (١٥) ـ كذلك : كذB (١٦) ـ لحوارييه : لحواريه AB (١٧) ـ لا تقر بينى : تقربينى C (١٨) فانى : لانى C (١٩) ابى : + وابيكم AC ـ (٢٠) ـ صاعد : صاعداC (٢١) استعلن : استعلى AB

١٦٢

أبناء الله (١) من أبناء الشّيطان. وفى موضع آخر : اعلموا أنّ كلّ من يعمل البرّ فانّه مولود من الله وانظروا فما أكثر الودّ (٢) الّذي أعطاناه الأب (٣) أن ندعى (٤) أبناء الله بأعمالنا ، أيّها الأحبّاء نحن الآن أبناء الله. وفى موضع آخر : إذا تصدّقت فلا تعرّفنّ شمالك ما صنعت يمينك لتكون (٥) صدقتك (٦) سرّا وأبوك الّذي يعلم سرّك يجزيك علانية ، وإذا صلّيت فادخل مخدعك واغلق بابك وصلّ لأبيك الخفيّ وأبوك المطّلع على سريرتك يجزيك علانية. وفى موضع آخر : أيّها البنون (٧) لا يكون ودّنا بالكلام ولا باللّسان بل بأعمال البرّ ، والحقّ (٨) أقول إنما نحن أبناء الله إذا نحن وددنا الله وعملنا (٩) بوصاياه ، وهذا هو الحقّ من ودّ (١٠) الله كنتم قبل لستم بشعب الله فامّا الآن فشعب (١١) الله. وفى موضع آخر : ستأتى ساعة لا أكلّمكم (١٢) بالامثال فأشرح (١٣) لكم مجد الأب (١٤) جهارا. وفى (١٥) موضع آخر : طوبى لعاملى السّلم بأنّهم يدعون أبناء (١٦) الله. وفى موضع آخر : قدّموا الخير إلى من يبغضكم وصلّوا على الّذين يطردونكم غضبا لتكونوا أبناء أبيكم الّذي فى السّماء. وفيه أيضا : إن أنتم غفرتم للنّاس خطاياهم ، فانّ أباكم الّذي فى السّماء يغفر لكم وإن أنتم لم تغفروا للنّاس فانّ أباكم لا يغفر جهلكم. وفيه أيضا : يشرق الصّديقون كالشّمس فى ملكوت أبيهم ، من (١٧) كانت له أذنان سامعتان فليسمع. وفيه (١٨) أيضا : لا تقطعوا رجاء من سألكم ولا تخيّبوه ليكثر

__________________

(١) ـ لا يكون ... ابناء الله : ـ C (٢) ـ اكثر الود : اكثرهم الولدB (٣) الآب : الآن C (٤) ندعى : تدعى B (٥) ـ لتكون : ولتكون B (٦) صدقتك : صدتك B (٧) ـ البنون : النبيون B (٨) ـ البر والحق : البررة الحق A (٩) ـ عملنا : علمناB (١٠) ود : دون A (١١) فشعب : تشعب B (١٢) ـ اكلمكم : اكلهم B (١٣) فاشرح : واشرح BC ـ (١٤) ـ الأب : الاB (١٥) فى : ـ B (١٦) ـ ابناء : انماC (١٧) ـ من : ومن C (١٨) ـ وفيه ... وفيه : ـ A

١٦٣

ثوابكم وأجركم وتكونوا للعلىّ أبناء. وفيه أيضا : لا تدعوا آبائكم (١) فى الارض لأنّ أباكم واحد فى السّماء. وفيه أيضا : إن كنتم أيّها الاشرار تعلمون أن تعطوا أبناءكم مواهب صالحة فبكم أحرى (٢) أبوكم الّذي فى السّماء يعطى القدس الّذي تسألونه.

هذا كله مكتوب (٣) فى الإنجيل. ومن تدبّره وميّز قوله عرف مراده حين (٤) يقول (٥) مرّة : جئت من عند أبى وأنطلق إلى عند أبى. ومرّة يقول لحوارييه : وصلّوا على الّذين يطردونكم غضبا لتكونوا أبناء أبيكم فى السّماء (٦). ومرّة يقول : لا تدعوا أبا لكم (٧) فى الارض لانّ أباكم واحد فى السّماء. ويقول : تكونوا للعلىّ أبناء. ويقول : فيكم أحرى (٨) أبوكم الّذي فى السّماء يعطى القدس الّذي تسألونه (٩) ؛ فسمّاه أيضا أبا للاشرار (١٠) إذا صلحوا وسألوه القدس. ويقول للحواريّين : أنتم شعب الله. ويقول : يستبين أبناء الله من أبناء الشّيطان. و (أنه) (١١) إنّما يعنى بهذا كلّه أولياء الله وأهل خالصته (١٢) والمطيعين له ؛ كما سمى المطيعين للشّيطان أبناء (١٣) الشّيطان. وعلى هذا المعنى ، قال : جئت من عند أبى وأبيكم (١٤) وأنطلق إلى عند أبى وأبيكم الّذي فى السّماء. ويدعوهم أيضا لنفسه حيث يقول : يا بنى أنا معكم زمين (١٥) يسير ، وستطلبوننى (١٦) من بعد. إنّما يعنى بقوله يا بنى ، يا أوليائى وخلصائى (١٧) ، ويعنى أنّه (١٨) يودّهم (١٩) ويشفق عليهم كما يشفق الوالد على ولده ويودّه.

__________________

(١) آبائكم : أبا لكم C (٢) ـ احرى : اخرى A (٣) ـ مكتوب : مكتون B (٤) ـ حين : حتى A (٥) يقول : فيقول B (٦) ومرة ... السماء : ـ A (٧) ـ أبا لكم : بالكم B ، اباكم C (٨) ـ احرى : اخرى B (٩) ـ تسألونه : يسالونه C (١٠) للاشرار : للاشراق B (١١) ـ و (انه) : (اند) A (١٢) ـ خالصته : خاصته A (١٣) ابناء : من ابناءA (١٤) وابيكم : ـ AB (١٥) ـ زمين : زفتين A (١٦) ستطلبوننى : ستطلبونى C (١٧) ـ خلصائى : خلصاءB (١٨) انه : ان B (١٩) يودهم : بودهم A

١٦٤

فمن تدبّر هذا الكلام ، علم أنّ هذه المعانى (١) كما ذكرنا. وهذا فى الإنجيل كثير ، أنّه سمى نفسه ابن الله ، وسمّى الحواريّين أبناء الله ، وكان مراده من ذلك ما ذكرناه ، وجعل هذا اللّفظ مثلا (٢) ؛ ألا (٣) تراه يقول : ستأتى ساعة لا أكلّمكم (٤) بالأمثال وأشرح لكم مجد الأب جهارا؟

(٤) وقد قال فى مواضع كثيرة (٥) فى الإنجيل انّه ابن البشر وابن الانسان. قال فى موضع : بحقّ أقول لكم ما جاء ابن (٦) البشر إلّا ليحيى ما كان هالكا (٧). وفى موضع آخر : إنّا نصعد إلى وادى (٨) شلم وابن البشر يسلّم إلى عظماء الكهنة فيسحبونه (٩) للموت. وفى موضع آخر : إنّكم (١٠) لا تكلمون بنى اسرائيل حتى يأتيكم ابن الانسان. وفى موضع آخر : الآن (١٢) ظهر مجد ابن الانسان (١١) ومدحه وحمد الله به (١٣) وعلى يديه. فهذه (١٤) الالفاظ كلّها تدلّ على ما قلنا حين سمى (١٥) نفسه ابن الله والحواريّين أبناء الله وأراد (١٧) بهذا كلّه أنّهم أولياء الله (١٦) وخلصاؤه ؛ ولو (١٨) لم يكن الأمر (١٩) كما قلنا ، لوجب على النّصارى أن يدعوا (٢٠) الحواريّين كلّهم أبناء الله ، كما قالت فى المسيح انّه ابن الله. وقد بيّن المسيح (ع) فى الإنجيل أنّ الأمر كما ذكرنا ؛ لأنّه قال فى مواضع (٢١) كثيرة إنّه ابن (٢٢) البشر وابن الانسان ، وعرّفهم أنّه لا يريد بقوله ابن الله ، أنّه من جهة الولادة ابن الله ـ تعالى الله عن ذلك (٢٣) ؛ ولكنّ النصارى غلطت فى التّأويل وغلطت (٢٤) فى القول ،

__________________

(١) ـ المعانى : المتعالى B (٢) ـ مثلا : مثل B (٣) الا : لاB (٤) اكلمكم : اكملكم B (٥) ـ كثيرة : كثيرB (٦) ـ جاء ابن : جائزB (٧) الا ... هالكا : ـ C (٨) وادى : اودى A (٩) فسيحبونه : فيسجنوه A ، فيسجوه B فيسحبوه C (١٠) ـ انكم : ـ A (١١) ـ وفى ... ابن الانسان : ـ C (١٢) الآن : الا ان B (١٣) ـ به : ـ B (١٤) فهذه : فهذB (١٥) سمى : + الله A (١٦) ـ والحواريين ... اولياء الله : ـ A (١٧) اراد : انما ارادC (١٨) ـ لو : له B (١٩) الامر : الاB (٢٠) يدعوا : يدعون B (٢١) ـ مواضع : موضع B (٢٢) ابن : + الله B (٢٣) ـ تعالى ... ذلك : ـ A (٢٤) وغلطت : ـ C

١٦٥

فضلّت وقالت ، هو آب (١) وابن (٢).

(٥) وقد قالت غلاة (٣) هذه الأمّة فى النّبيّ (ص) وعن (٤) عليّ كرّم الله وجهه (٥) والأئمّة من بعد هما أعظم من هذا. فانّهم قالوا إنّهم آلهة (٦) ـ لا إله إلّا الله سبحانه ـ بل كثير منهم ادّعوا لسلمان (٧) وغيره مثل ذلك. وهذا باب يطول القول به ، ومقالات الغلاة مشهورة فى هذه الأمّة وفى جميع الأمم فى قولهم بالهيّة البشر. ـ وليس للملحد حجّة فى طعنه على الأنبياء (ع) وفى عيبه المسلمين بضلالة النّصارى ، وما ابتدعه من جهل معانى كلام الأنبياء فى كلامه ـ فضلّوا فى القول وافتروا على الله ولو أنّ الأمم كلّها اهتدت قاطبة ولم يقم فى كلّ شريعة هؤلاء (٨) المبتدعون الّذين اختلفوا فى الأهواء واعتقدوا الرّئاسات وضلّوا عن طريق الهدى وسواء (٩) السّبيل وتأوّلوا كلام (١٠) الأنبياء بآرائهم ولم يرجعوا إلى العلماء استنكافا واستكبارا وأضلّوا أتباعهم ، لسقط الاختلاف وصفا الأمر وارتفعت (١١) المحنة ؛ ولكنّ الله (١٢) امتحن الخلق بالاختلافات ، ليطلبوا الائتلاف ، ويدعوا التنازع والتفرّق ، ويعرفوا معانى كلام (١٣) الرّسل (١٤) ؛ فيقتدوا (١٥) بأوليائه الهادين ، ويجتنبوا سبيل (١٦) أعدائه الضالين (١٧) ؛ لأنّ (١٨) الدّنيا (١٩) دار المحنة ومحلّ فتنة ، ميّز الله فيها بين العباد وابتلاهم بما أراد ، (ليجزى الّذين اساؤا بما عملوا ويجزى الّذين احسنوا بالحسنى).

(٦) فسبيل النّصارى فى القول بأنّ المسيح ابن الله ، وسبيل المجوس فى

__________________

(١) ولكن ... هواب : ـ A (٢) وابن : ابن : AB (٣) ـ غلاة : الغلاةB (٤) عن : فى BC ـ (٥) كرم الله وجهه : ـ A (٦) ـ آلهة : إلهيةA (٧) ـ لسلمان : لسمان A ، لسليمان B (٨) ـ وافتروا ... هؤلاء : ـ A (٩) ـ سواء : سوءC (١٠) كلام : الكلام B (١١) ـ ارتفعت : انفعت B (١٢) الله : + عزوجل BC ـ (١٣) ـ كلام : الكلام B (١٤) الرسل : الرسول B (١٥) فيقتدوا : فيتقدواA (١٦) ـ سبيل : سبل C (١٧) الضالين : الظالمين A (١٨) لان : لا ان B (١٩) الدنيا ـ A

١٦٦

القول (١) بالاثنين ، وسبيل سائر (٢) الضّلّال فى كلّ أمّة (٣) ، هو على ما شرحناه ؛ وليس ضلالهم وبدعهم بحجّة للملحد (٤). فانّ الأنبياء لم يختلفوا فى أصل الدّين ، واتّفقوا كلّهم على أنّ الله عزوجل (٥) واحد (٦) لا إله غيره ، ولا ضدّ له (٧) ولا ندّ ، ولم يتّخذ صاحبة ولا ولدا ، ولم يشرك فى ملكه وسلطانه وحكمه (٨) من بريّته أحدا (٩) ؛ ودعوا (١٠) إلى عبادته على حسب ما قدمنا القول به. وقد نزّههم الله (١١) أن يقولوا فى الله سبحانه (١٢) ما لا يليق بعظمته (١٣) وكبريائه ـ تعالى الله عما يقول الظّالمون علوا كبيرا ـ ونزّه أنبياءه (ع) والهادين من أممهم عن الافتراء على الله ؛ فلم (١٤) يختلفوا فى أصول العبادة. كما شرحنا أنّهم أمروا بها ودعوا إليها ووعدوا (١٥) وأوعدوا وحثّوا الأنام على الاجتهاد وعلى طلب ما عليه المعول وله القصد وعنه يجب (١٦) البحث والنّظر رجاء للثّواب وخشية من العقاب فى يوم المداينة والجزاء.

(٧) وإن لم يكن الامر على ما دعوا إليه ، ولم يكن نشور (١٧) ولا بعث ولا جنّة ولا نار على ما ادعاه الملحدون والمعطلون ، فانّ النظر فى هذه الأمور والبحث عنها ، لا معنى (١٨) ولا محصول له ، والجاهل والعالم والبرّ والفاجر والظّالم والعادل فيها سواء ؛ واذا ، ليس لا تعاب النفس والمشقّة فى البحث عن ذلك وطلبه ، معنى ؛ إذ (١٩) لم يكن فى ذلك نفع ولا جدوى. ونعوذ بالله أن يكون كذلك ؛ بل ، الأمر كما قال الصّادق جعفر بن محمد (ع) لبعض

__________________

(١) فى القول : ـ B (٢) سائر : + الامم ABC (٣) كل امة : كلامه A (٤) ـ للملحد : الملحدB (٥) عزوجل : ـ A (٦) ـ واحد : واحداB (٧) له : ـ A (٨) ـ حكمه : حكم A (٩) ـ احدا : احلاA (١٠) ـ دعوا : ادعواB (١١) الله : ـ B (١٢) سبحانه : ـ AC ـ (١٣) بعظمة : بعظمةB (١٤) ـ فلم : ولم ABC (١٥) ـ ووعدوا : وعدواBC ـ (١٦) ـ يجب : ـ B (١٧) ـ لم يكن نشور : لم نشرB (١٨) ـ معنى : + فيه AB (١٩) ـ اذ : اذاB

١٦٧

الملحدين : إن كان الأمر كما تقولون ـ وليس كما تقولون ـ فقد نجونا ونجوتم ؛ وإن كان الأمر كما نقول (١) ـ وهو كما نقول ـ فقد نجونا وهلكتم.

ونقول (٢) إنّ الله عزوجل لم ينشئ (٣) هذا الخلق لعبا ، ولا خلق السّماوات والأرض وما بينهما باطلا ، ولا بعث النّبيّين عبثا ولا ترك النّاس سدى ؛ (ذلك ظنّ الّذين كفروا فويل للّذين كفروا من النّار)

(٨) وأمّا قول الملحد انّ القرآن يخالف ما عليه اليهود والنّصارى من قتل المسيح (ع) ، لانّ اليهود والنّصارى (٤) يقولون انّ المسيح قتل وصلب ، والقرآن ينطق بأنّه لم يقتل ولم يصلب ، وأنّ الله رفعه إليه ، فانّا نقول : إنّ الّذي فى القرآن هو حقّ وصدق ، وهو مثل ضربه الله ، يعرف تأويله أهل العلم من الأمّة. ومع ذلك فقد قال بعض العلماء قولا ، ذكروا : «أنّ معنى (٥) قوله (٦) عزوجل : (وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً : بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ) إنّما عنى أنّهم وإن كانوا ادّعوا أنّهم قتلوه (٧) ، فانّه حىّ (٨) ، رفعه الله إليه ، وهو عند الله محبور مكرّم مسرور ، لأنّه شهيد (٩) ؛ والشّهداء هم (١٠) أحياء عند الله ، كما وصفهم الله به ، فقال جلّ ذكره :

(وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ) (١١) وقال فى آية اخرى : (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) ، قال :

__________________

(١) ـ نقول : يقولون (٢) ـ نقول : يقولون C (٣) ـ ينشئ : ينش A ، ينشق B (٤) ـ من قتل ... النصارى : ـ A (٥) ـ معنى : مع C (٦) قوله : قول الله B (٧) ـ قتلوه : + يقيناA (٨) فانه حي : بل A (٩) ـ شهيد : ـ B (١٠) ـ والشهداء هم : شهداءهم B (١١) ـ الله : ـ B

١٦٨

(فكذلك سبيل (١) المسيح (ع) لم يقتلوه (٢) يقينا أى لم يقتلوه على الحقيقة ، لأنّه شهيد رفعه الله إليه ، وهو حىّ (٣) عنده ، محبور مسرور.)

(٩) ومثل (٤) ذلك فى الإنجيل (٥) فى بشرى يوحنّا : أنّ المسيح مات بالجسد وهو حىّ بالروح (٦) ، فتفكّروا بأنّ الّذي مات بالجسد استراح من الخطايا. وفى بشرى لوقا : أقول لكم يا أوليائى لا تخافوا الّذين يقتلون الجسد ولا يقدرون على غير ذلك. أخبركم ممّن (٧) تخافون (٨) من الّذي يقتل الجسد وهو مسلّط أن يقذفه فى نار جهنّم ، أقول لكم يقينا انّى أصير إلى ملكوت السّماء ، وهذا جسدى يبذل للموت (٩) فى سبيلكم ، فلذلك فاصنعوا كل ما اجتمعتم لذكرى. وفى بشرى منى : ما سمعتم بآذانكم فنادوا به فوق الطّوايا ولا تخشوا الّذين يقتلون الجسد ولا يقدرون على قتل النّفس واخشوا من يقدر أن يهلك (١٠) النّفس ويطرح الجسد فى النّار.

(١٠) فهذا ما فى الإنجيل ؛ وهو موافق لما فى القرآن فى هذا المعنى. وقد قال المسيح (ع) إنّه يبذل جسده للموت ويصير إلى ملكوت الله. وقال : يقتلون الجسد ولا يقدرون (١١) على قتل النّفس. وقد وافق (١٢) هذا القول ما قال الله عزوجل (١٣) فى القرآن : (وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ.) وقال جلّ ذكره (١٤) فى آية أخرى مخاطبة للمسيح (ع) : (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ (١٥)). وقال فى آية أخرى حكاية (١٦) عن المسيح (ع) : (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). فقال : وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم. ثم قال : فلمّا توفّيتنى كنت أنت الرّقيب عليهم وأنت على

__________________

(١) ـ سبيل ... اى : ـ A (٢) لم يقتلوه : يقتلوه : C (٣) ـ هو حي : موحى B (٤) ـ ومثل : مثل B (٥) فى الإنجيل : ـ A (٦) بالروح : بروح B (٧) ـ ممن : مماB (٨) تخافون : يخافون C (٩) ـ للموت : لموت A ، لموت C (١٠) ـ يهلك : يملك C (١١) لا يقدرون : يقدروB (١٢) ـ وافق : واقف B (١٣) عزوجل : ـ A (١٤) ـ جل ذكره : ـ A (١٥) ـ متوفيك : توفيك A (١٦) ـ حكاية : حكايته B

١٦٩

كلّ شيء شهيد ، فدلّ أنّ الله عزوجل (١) توفّاه لمّا غاب عنهم. فالقرآن قد وافق الإنجيل أنّ الله توفّاه ورفعه إليه وأنّه حىّ عند الله وصحّ هذا المعنى من القرآن والإنجيل وبطلت دعوى الملحد أنّ القرآن يخالف (٢) الإنجيل فى هذا الباب.

__________________

(١) ـ عزوجل : ـ A (٢) ـ يخالف : مخالف C

١٧٠

الفصل السادس

الشرائع كلّها حقّ ولكن خلط به الباطل

(١) قال الملحد : رأينا اعتماد المقلّدين فى اعتقادهم صحّة مذاهبهم على تصديق (١) أسلافهم وتعظيم أئمّتهم وكثرة مساعدتهم ؛ يعنى بذلك أهل الاسلام. ثمّ قال (٢) : إن كان ذلك حقا لهذه العلّة ، فكذلك سبيل اليهود والنّصارى (٣) والمجوس وغيرهم من أهل الملل ؛ لأنّ (٤) سبيلهم فى ذلك ، سبيل أهل الاسلام. وإن كان من جهة الفهر والغلبة ، فكذلك لهذه (٥) الملل مثل ذلك ؛ كغلبة النّصارى (٦) بروميّة ، واليهود بخزر (٧) ، والمجوس فى بعض الجبال والمنانيّة (٨) بالصّين والتّرك والبراهمة (٩) بالهند ، كغلبة المسلمين بالعراق والحجاز والشّام وخراسان (١٠) وسائر البلدان ، فاذا النّصرانيّة حقّ بروميّة وباطل فى سائر البلدان ، وكذلك اليهوديّة حقّ بالخزر وباطل فى سائر

__________________

(١) ـ تصديق : تقليدC (٢) ـ قال : قالواA (٣) ـ النصارى : النصابيين C (٤) لان : ان C (٥) ـ لهذه : لهذاB (٦) ـ النصارى : النصابيين C (٧) بخزر : بخززA ، بحررB ، بحرزC (٨) ـ المنانية : المانيةA (٩) والبراهمة : والبراهمةA (١٠) ـ خراسان : الخراسان B

١٧١

البلدان (١) ، والمجوسيّة حقّ أيّام (٢) الأكاسرة وباطل فى دولة الاسلام. وإن وجب ذلك ، وجب أن يكون الشيء حقّا باطلا وهذا خلف ؛ هذا قول الملحد.

نقول فى جوابه :

(٢) لا يجوز أن يكون الشّيء حقّا باطلا (٣). ولكنّا نقول : إنّ أصل هذه (٤) الملل كلّها حقّ لا مرية فيه لأنّها من رسوم الأنبياء (ع) ، رسموها لأممهم وأمروهم بالاقتداء بما فيها وكلّ نبىّ دلّ على النّبي الّذي يجيء بعده ، وشهد بصدق من تقدّمه ، وأمروا أممهم بالأيمان بمن مضى والتّصديق لمن يجيء بعدهم ؛ فاختلفت أهواؤهم (٥) ، وابتدعوا البدع ، وبغى بعضهم على بعض ، وخلطوا بدعهم (٦) بسنن (٧) الأنبياء (ع) ؛ وبعث الله عزوجل (٨) النّبيّين فى دهور شتّى وأزمنة مختلفة ليعظوهم (٩) ويعرفوهم وجه الحقّ من الباطل وسبيل الهدى من الضّلال ويخلّصوا السّنن من البدع ؛ وامتحن عزوجل (١٠) عباده بطاعتهم. فكلّ نبىّ جاء ، وافق من تقدّمه فى أصل التّوحيد ، ودعوا كلّهم إلى عبادة الواحد البارى سبحانه (١١) ، ووضعوا للنّاس كتبا بوحى من الله عزوجل (١٢) ومن كلامه ؛ فبقيت قوّة ذلك الوحى وصار طلسما للأمم (١٣) الدّين تمسّكوا بتلك الشّرائع ورسخ ذلك فى قلوبهم لأنّه زرع الأنبياء ، ولكن قد (١٤) خلطت فيه البدع كما يختلط العشب بالزّرع ؛ مثل ما قال المسيح فى المثل الّذي ضربه فقال : يشبه (١٥) ملكوت (١٦) السّماء رجلا (١٧)

__________________

(١) ـ وكذلك ... البلدان : ـ A (٢) ـ ايام : ـ B (٣) ـ حقا باطلا : حقا وباطلاB (٤) هذه : هذاAB (٥) ـ اهواؤهم امرائهم B (٦) ـ بدعهم : ابدعهم B (٧) بسنن : سنن B (٨) عزوجل : ـ A (٩) ـ ليعظوهم : ليعظوا لهم AB (١٠) ـ عزوجل : ـ A (١١) ـ سبحانه : ـ A (١٢) ـ عزوجل : ـ A (١٣) ـ للامم : للامرC (١٤) ـ لكن قد : لقدC (١٥) ـ يشبه : شبه AB (١٦) ملكوت : الملكوت BC ـ (١٧) رجلا : رجل ABC

١٧٢

زرع فى قريته زرعا صالحا فلما رقد الناس جاء عدوّ له فزرع زوانا بين الحنطة. وقد ذكرنا (١) هذا المثل وتفسيره. فهكذا كانوا يخلطون (٢) البدع بالسّنن (٣) وكان ذلك بمنزلة الزّوان الّذي زرعه الشّيطان بين الحنطة (٤).

(٣) فكذلك كان سبيل المبتدعين فى كلّ شريعة حبّا منهم (٥) للرّئاسة (٦) ، وتنافسا على أعراض الدّنيا. فدعاهم ذلك الى تكذيب من جاءهم من الأنبياء بعد الأنبياء الّذين (٧) تقدّموهم وتعلّقوا بالرّسوم الّتي كانت فى أيديهم ، واستغووا ضعفاءهم الّذين لم يعرفوا حقائق ما فى الكتب ، لأنّ أكثر كلام الأنبياء كان مرموزا كما (٨) ذكرنا ، وعرف حقائقها العلماء الأتقياء من بعد (٩) الأنبياء فى كلّ أمّة (١٠). فخالفهم الرّؤساء المبتدعون ، وبغوا (١١) عليهم ، وتعلّقوا بتلك الرّسوم التى خلطوها ببدعهم وزادوا فيها ونقصوا ؛ كما ذكر الله عزوجل (١٢) ذلك فى القرآن ، فقال : (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ (١٤) وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ (١٥) وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.) (١٣) وظواهر رسوم الأنبياء الّتي هى فى أيدى (١٦) الأمم ، هى حقّ ، والبدع التى خلطها بها المبتدعون هى باطل (١٧). والمتمسّكون بتلك الرّسوم ، معهم حقّ قد خلط بباطل. فعلى هذا ، النّصرانيّة بروميّة واليهوديّة بالخزر والمجوسيّة فى بعض الجبال ـ وسبيلها كما قلنا فى

__________________

(١) ـ ذكرنا : ضربناB (٢) يخلطون : يخلصون A (٣) ـ بالسنن : بالسن B (٤) زرعه ... الحنطة : ـ A (٥) ـ منهم : منهماA (٦) للرئاسة : الرئاسةC (٧) ـ الذين : + هم B (٨) ـ كما : + قدC (٩) بعد : الا بعدA (١٠) ـ كل امة : كلامه AB (١١) بغوا : نهواC (١٢) ـ عزوجل : ـ A (١٣) ـ منهم : لفريقا : فريقا منهم AC ـ (١٤) ـ من الكتاب : بالكتاب B (١٥) ـ الله : ـ B (١٦) ـ ايدى : ايدB (١٧) ـ باطل : الباطل B

١٧٣

كل بلد (١) وفى كل دهر وزمان ـ معهم حقّ قد خلط بباطل. ومثال ذلك ، مثال إنسان معه صرّة مسك قد خلط به أضعافه مما يشاكل جرمه جرم المسك مثل الزّعفران (٢) ولبّ الفستق المحرّق وغير ذلك ممّا يغشّ به المسك ، وينفق كلّه بريح المسك ؛ ومثل الذّهب والفضّة وما يختلط بهما من الأجسام (٣) المذابة ، فينفق مع الذهب والفضّة النّقيّة.

(٤) والبدع التى خلطت (٤) بتلك الرّسوم ، مثال ما ذكرنا من الغشوش. وقد ذكر (٥) حزقيال (٦) النّبي فى كتابه مثل (٧) ذلك وقال : أوحى (٨) الرّبّ إلى وقال : يا أيّها (٩) الانسان قد صار بنو إسرائيل كلّهم عندى مرذلين كالنّحاس والرّصاص ومثال الحديد والأسرب المختلطة بالفضّة فى الكوز ، ها أنا ذا جامعكم إلى اورشليم كما تجمع الفضّة والحديد (١٠) والنحّاس والرّصاص والأسرب فى الكوز ، كذلك تذوبون وتعلمون أنّى أنا الرّبّ الّذي أنزلت بكم غضبى.

(٥) فهكذا سبيل الشّرائع كلّها ، هى حقّ قد خلط (١١) بباطل (١٢). وبقى أهل تلك الشّرائع المستولية على تلك الرّسوم : وضلّوا عن سبيل الهدى (١٣) ، ولا يحسنون أن يميّزوا الحقّ من الباطل. ولو لا ما فى تلك الرّسوم من قوّة الوحى الّذي هو كلام الله (١٤) كالتّوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزّلة ، لنفقت (١٥) البدع ولما بقى رسم الشّرائع فى (١٦) العالم ؛ ولكنّ تلك القوّة قد

__________________

(١) ـ كل بلد : بلدB (٢) ـ الزعفران : السافران A ، السافرات BC ـ (٣) ـ الاجسام : الاجسادABC (٤) ـ خلطت : خلطBC ـ (٥) ذكر : ذكرناB (٦) ـ حزقيال : حيث قال C (٧) مثل : فى مثل C (٨) اوحى : اوصى A (٩) ـ يا ايها : ايهاAC ـ (١٠) ـ الحديد ... الحديد ـ B (١١) ـ خلط : خلطت ABC (١٢) بباطل : ـ ضلوا عن : +A ـ (١٣) ـ الهدى : الهدايةC (١٤) ـ الله : ـ B (١٥) ـ لنفقت : لما نفقت A ، لما نقعت B ، لما انفقت C (١٦) فى : من B

١٧٤

امسكت عليهم الرّسوم ، وجذبت قلوب البشر إلى تلك الشّرائع ؛ وبتلك القوّة ، صارت لهم الغلبة والقهر فى هذه الممالك ؛ ولكنّه حقّ ممتزج بباطل. وبهذا (١) شهدت الأمم المتأخّرة للامم المتقدّمة ، كشهادة النّصارى (٢) : أنّ التّوراة حقّ ، وما أبدعه (٣) اليهود باطل ؛ وكشهادة أهل الاسلام : أنّ التّوراة والإنجيل حقّ ، وما أبدعه اليهود والنّصارى (٤) باطل ؛ والمتمسّكون بذلك جاهلون ضالّون ؛ لتركهم أمر الأنبياء الّذين جاءوا بعد من تقدّمهم ، ودعوا (٥) الأمم إلى (٦) أن يميّزوا لهم الحقّ من الباطل ، ويعرفوهم (٧) سبيل (٨) الهدى ؛ كما هو مكتوب فى الإنجيل : أنّ يوحنّا الصابغ (٩) ، قال : أنا أصبغكم بالماء ، فأمّا الّذي يجيء بعدى يصيغكم (١٠) بروح القدس وبالنّار ، الّذي (١١) بيده المدرى (١٢) ، ينقّى (١٣) بيادره ويحرز الحنطة فى أهرائه (١٤). (٦) ولو لا أنّ أصل (١٥) هذه الكتب حقّ ، وهى منزّلة من الله عزوجل (١٦) إلى أنبيائه (ع) لما أقرّ محمد (ص) أحدا من أهل الذّمة (١٧) عليها ، بل كان يستنّ فيهم بسنّة العرب الّذين كانوا عبدة الأصنام. فانّه حملهم على خطبين ؛ إمّا قبول ما اتى به ، وإمّا (١٨) القتل (١٩) ؛ ولم يقبل منهم الجزية كما قبلها من أهل الذّمة (٢٠) ؛ لأنّه (٢١) وجدهم عاكفين على الأصنام الّتي ابتدعوها وادّعوا أنّهم (٢٢) على ملّة إبراهيم (ع) وبعث (٢٣) الله محمدا (٢٤) باحياء ملّة إبراهيم ، فقطع (٢٥) رسوم

__________________

(١) ـ بهذا : + اذاB ، بما ذاC (٢) ـ النصارى : النصابين C (٣) ابدعه : + الحق C (٤) ـ النصارى : النصابين C (٥) ـ دعوا : دعوواB ، دعيواC (٦) الى : الاC (٧) ـ يعرفوهم : يعرفونهم BC ـ (٨) سبيل : ـ A (٩) الصابغ : الصانع C (١٠) ـ يصبغكم : يصبغ A (١١) الّذي : كالذى ABC (١٢) ـ بيده المدرى : بيادره C (١٣) ينقى : + حدB (١٤) اهرائه : احرائه B (١٥) ـ اصل : اهل A (١٦) عزوجل : ـ A (١٧) ـ الذمة : الزمه B (١٨) ـ واما : اوC (١٩) ـ القتل : فالقتل C (٢٠) ـ الذمة : الزمه B (٢١) لانه : ولانه ABC (٢٢) انهم : انهاA (٢٣) ـ وبعث الله ... ابراهيم : ـ B (٢٤) محمدا : محمدC (٢٥) فقطع : قطع B

١٧٥

المبتدعين فى تلك الملة ، إذ كان الله عزوجل (١) أرسله بتجديدها ، فقال : (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا). ونقى الملّة من البدع ، وجدّد ما كان من رسوم إبراهيم (ع) مثل حجّ البيت والختان (٢) وسائر ذلك ممّا كانت عليه العرب من بقايا سنن إبراهيم ، واقرّ اليهود والنّصارى على مللهم (٣) ، لتبقى رسوم الأنبياء ، وتكون عبرة للحكماء والعلماء فى هذه الملّة ، وحجّة لله (٤) على النّاس أجمعين وألزمهم الجزية والذّلة لمّا امتنعوا من قبول ما جاء به ، ومن إجابتهم فى إقامة طاعته فيما دعاهم إليه من أن يخلّص لهم الحقّ الّذي معهم من الباطل الّذي خلطوه به. ولو لا أنّه (ص) أراد أن يعرّف النّاس أنّ الّذي معهم من الكتب المنزلة هو حق لما أقرّهم على ذلك ؛ فانّ شوكتهم كانت أهون من شوكة العرب ، ولو شاء لأبادهم وقطع رسومهم كما فعل بالعرب ؛ فكان لا يبقى فى دار الاسلام شيء من رسوم أهل الذّمّة ، إذ كان الاسلام قد غلب جميع الأمم.

(٧) ولما فتحت بلاد العجم ، أراد عمر بن الخطاب أن يقتل المجوس وأن لا يقبل منهم الجزية. فقال عليّ (ع) انّه كان لهم نبىّ وكتاب ، فيجب أن تستنّ (٥) فيهم بسنّة (٦) أهل الكتاب ؛ فأقرّهم حينئذ على ملّتهم. ولو لا أنّ معهم رسم من رسوم الأنبياء (ع) وإن (٧) كانوا قد خلطوه بالبدع ، لما كان يوجد (٨) فى مملكة الاسلام مجوسى.

(٨) فالملل (٩) كلّها سبيلها على ما ذكرنا ، هى حقّ ، وهى رسوم الأنبياء ، لكن قد (١٠) خلط بها الباطل ؛ ومثالها ما (١١) قد ذكرناه فى باب المسك والذّهب

__________________

(١) ـ عزوجل : ـ A (٢) ـ الختان : الجهادAC ـ (٣) ـ مللهم : ملكهم A (٤) ـ لله : الله B (٥) ـ تستن : يستن AB (٦) بسنة : سنةC (٧) ـ وان : ولوC (٨) يوجد : يؤخذC (٩) ـ فالملل : فالممالك C (١٠) ـ قد : ـ AB (١١) ما : ـ AB

١٧٦

والفضّة ؛ فهى فى جميع المواضع وفى كل دهر وزمان ، حقّ قد خلط به (١) الباطل ؛ وليس الأمر كما ذكر الملحد : أنّه كان الأمر بالغلبة والقهر ، فاليهوديّة (٢) حقّ بالخزر ، والنّصرانيّة حقّ بروميّة ، وهما باطل فى غيرهما من المواضع ، وكذلك المجوسية حقّ أيّام الأكاسرة وباطل فى دولة الاسلام ، وأنّه إن وجب ذلك ، وجب أن يكون الشّيء حقا باطلا ، وهذا خلف. هكذا قال الملحد. وليست له فى هذا حجّة ، لانّ سبيل الملل كما ذكرنا أنّها حقّ (٣) قد خلط به (٤) الباطل فى كلّ بلد وفى كلّ وقت وزمان ، وليست بحقّ فى بلد وفى وقت وباطل فى بلد وفى وقت ، فيكون الحقّ باطلا ويكون خلفا. ونذكر ما يجب فى باب الغلبة والقهر بعد هذا فى موضعه ، ولنشبع القول فيه إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) ـ به : بهاABC (٢) ـ فاليهودية : فاليهودAB ، واليهوديةC (٣) ـ حق : احق B ، بحق C (٤) به : بهاABC

١٧٧
١٧٨

الباب الخامس

١٧٩
١٨٠