🚘

أعلام النبوّة

أبو حاتم الرازي

أعلام النبوّة

المؤلف:

أبو حاتم الرازي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسه پژوهشى حكمت و فلسفه ايران
المطبعة: صارمي
🚘 نسخة غير مصححة

قد صدق فى هذا القول ، ولكن النّهاية ليست ما ذهب هو إليها أنّ نهايتها الى بقراط وجالينوس. وذكر أنّه (١) روى عنهم الألف والآحاد من الطّب ومعرفة العقاقير. فما خبر (٢) الامم الذين كانوا قبل بقراط وجالينوس؟ هل استغنوا عن معرفة (٣) العقاقير أم لا؟ فانّ الذين مضوا قبلهما (٤) كانوا فى مثل طبائع من كان بعدهما إلى يومنا هذا! وان كان قبل بقراط وجالينوس من عرف طبائع العقاقير ، فانهما أخذا عمّن تقدّمهما إلى أن ينتهى الأمر فيه إلى بدء الخلق الّذي هو آدم (ع) وهو النّهاية. وإن كان بقراط وجالينوس زادا (٥) شيئا فانّ سبيلهما ما (٦) قد ذكرنا أنهما قدرا على ذلك بتأييد من الله جلّ ذكره ووحى منه. ومن كانت سبيله هكذا فهو نبىّ مؤيّد من الله (٧) ، والأنبياء هم أئمّتنا ، لا أئمّة الملحدين. ولا ينكر أنّ الله عزوجل (٨) يوحى إلى الأنبياء فيما ينساه (٩) النّاس مما (١٠) يحتاجون إليه ويجدّد التّعليم لهم بذلك. كما قالوا إنّ المسيح (ع) كان لا يمرّ بحجر ولا شجر الّا وكلّمه. فليس معنى الكلام (١١) هاهنا معنى المجاوبة (١٢) ، إنّما معناه الاعتبار والاستدلال. ومن اعتبر بالشّيء وعلم ما فيه من النّفع والضرّ فقد كلّمه ذلك الشيء. وهذا باب مشهور عند أهل المعرفة والتمييز. فهكذا كان أمر المسيح (ع) ، كان لا يمر بشيء إلّا ويعرف طبع ذلك الشيء بوحى من الله عزوجل. وهكذا كان سبيل الحكماء الذين وضعوا هذه الرسوم ولم يقدروا على ذلك إلّا بوحى من الله وبتأييد (١٣) منه وكانوا أنبياء ؛ ولا يقدر أحد أن يعرف طبيعة شيء بعقله وفطنته ولا يصح ذلك (١٤) من جهة العقول.

__________________

(١) ـ انه : انهاA (٢) ـ خبر : حال B (٣) ـ معرفة : ـ C (٤) قبلهما : قبلهاB (٥) ـ زادا : زادA (٦) ما : كماB (٧) ـ الله ... الله : ـ C (٨) ـ عزوجل : ـ A (٩) ينساه : يتاه A (١٠) ـ مما : فيماC (١١) ـ الكلام : الكلاA (١٢) المجاوبة : المحاورةB ، المجاوزةC (١٣) ـ بتأييد : + له B (١٤) ـ ذلك : + الاA

٢٨١

وقد أحال الملحد حين زعم أنّ ذلك باستخراج وإلهام ونظر وتجارب بالذّوق والأراييح وغير ذلك ممّا ذكره وزعم أنّهم ألهموا هذه فى طبعهم من غير تعليم ، وأنّ الله (١) أغناهم عن ائمّتنا كما ألهم الاوزّ السّباحة بالطّبع وأغناها (٢) عن ائمتنا. وأقول ، سبحان الله تعجّبا من الملحد! كيف اهتدى لهذه الحجّة التى تشبه (٣) عمى قلبه وقلة عقله حين ادّعى أنّ الحكماء ألهموا استخراج هذه الطّائف من غير تأييد من الله عزوجل (٤) ومن غير تعليم من الأئمّة ، بل بطبعهم كما يسبح الاوزّ بطبعه وأنّهم لم يحوجوا إلى ائمّتنا كما لم يحوج الاوز إلى ائمّتنا. أو لم (٥) يعلم الجاهل أنّ الأمر لو كان أيضا كما ادّعاه ، أنّهم استخرجوا هذه الأشياء بالطّبع ، لما وجب أن يشبّه هذا الالهام والطّبع بالهام الاوزّ وطبعه ؛ لانّ الإوزّ مطبوع على السّباحة لا يحتاج فى ذلك إلى فكر (٦) ولا استنباط ، كما قد (٧) طبع جميع الحيوان على شيء ما. فطبع الطّير على الطّيران فى الهواء ، ودواب الماء على السباحة فى الماء ، وكلّ جنس لا (٨) يقدر أن يخالف ما قد طبع عليه : لأنّه مجبر على ذلك لا مختار. فمنه ما يطير ويسبح كالاوزّ ، ومنه ما يسبح ولا يطير ، كالسّمك ومنه ما يطير ولا يسبح ، كالحمام.

والاوزّ مطبوع على السّباحة والطّيران (٩) ، صغارها وكبارها مطبوعة على ذلك ، كما ترى فراخها إذا انفلق عنها البيض سبحت ؛ وليس فى كلّ الاوزّ واحدة تخالف هذا الطبع. وكذلك سائر الحيوان ليس جنس إلّا وكله لا يخالف ما طبع عليه لأنّها مطبوعة على ذلك. وليس حكم البشر فى استخراج العلوم واستنباطها هكذا ؛ لأنّه ليس فى ألف إنسان وما فوق ذلك من العدد

__________________

(١) ـ الله : + تعالى B (٢) ـ اغناها : اغناA (٣) ـ تشبه : مشبه A (٤) ـ عزوجل : ـ A (٥) ـ أولم : ولم B (٦) ـ فكر : فكروه A (٧) قد : ـ BC (٨) ـ لا : ـ A (٩) ـ الطيران : + وBC ـ

٢٨٢

إلّا واحد يقدر على استخراج هذه اللّطائف ، اذا صحّت أيضا دعوى الملحد من جهة الطّبع والالهام. وأصحاب المعرفة بالحساب والهندسة والنّجوم والطب عددهم قليل جدا ما بين هذا الخلق الكثير. ولو كان مثالهم فى استخراج هذه اللطائف بالطبع ، كما يسبح الاوزّ بالطّبع ، لوجب أن يكون النّاس كلّهم حسّابا مهندسين ومنجّمين وأطباء ؛ ووجب أن لا يكون أصحاب الهندسة والأطباء (١) والمنجّمون مخصوصين بذلك دون سائر النّاس ، لأنّ الاوز كلّه يسبح صغاره وكباره ؛ ولوجب أن يرتفع عنهم باب التّعليم ، كما قد ارتفع عن الاوزّ باب التّعليم فى السبّاحة ، فكانوا لا يحتاجون إلى ائمّتنا ، كما لا يحوج الاوزّ (٢) إلى ائمّتنا.

(٥) فان زعم زاعم أنّ كلّ النّاس لو صرفوا هممهم الى ذلك ، لكانوا مهندسين حسّابا (٣) ومنجمين وأطباء ، كما احتجّ به الملحد حين زعم أنّ الناس لو صرفوا هممهم إلى تعلّم الفلسفة والنظر فيها ، لبلغوا ما بلغ الفلاسفة ، قلنا له (٤) : فهل رأيت فيلسوفا (٥) نظر فى الفلسفة بطبعه قبل أن عرف أصول الفلسفة ونظر فى قوانين الفلاسفة وقبل (٦) أن ابتدأ بالتّعلّم (٧) من (٨) تلك الأصول ، ثم نظر وقاس (٩) بعد التعلم؟ فان قال : نعم ، فقد باهت وكابر. وإن قال : لا ، فهذا اوّله التعلّم ، ثم بعد ذلك نظر وقياس. وإنّ الاوزّ لا يحتاج إلى تعلّم فى ابتداء أمره ، لا إلى (١٠) مسبح (١١) ولا الى معلم على وجه السّباحة ، بل كلّها تسبح طبعا صغارها وكبارها ، كما ذكرنا. والانسان لا بدّ له من التعلم فى أول أمره ، وإن

__________________

(١) ـ واطباء : اطباءA (٢) ـ باب التعليم ... الإوز : ـ C (٣) ـ مهندسين حسابا : حسابا مهندسين AC ـ (٤) ـ قلنا له : له قلناA ، ـ C (٥) فيلسوفا : فيلسوف C (٦) ـ وقبل : قبل A (٧) بالتعلم : بالتعليم AB (٨) من : عن B (٩) ـ قياس : قاس C (١٠) ـ لا الى : الى ABC (١١) مسبح : سبح B

٢٨٣

ترك التعلم فى أول أمره ، لم يدرك بطبعه شيئا ؛ وليس ذلك فى وسعه ، ولا هو مطبوع عليه ؛ ولا مجبر فيه ، ولا بدّ له من الرّجوع إلى إمام يعلّمه ، وإلّا لم ينفعه طبعه ولم يغنه (١) شيئا كما استغنى الاوزّ (٢) عن التعلّم من أئمّتنا والرجوع إليهم. وإنّما يفعل الانسان بطبعه الأشياء التى لا يقدر على مخالفة طبعه فيها ، مثل فعله بالحواس كالنّظر والسّمع والشم والذوق واللّمس ، فانّه مجبر على ذلك ، إذا نظر إلى الشيء رأى ، واذا وقع الصّوت فى أذنه سمع ، واذا وقعت فى خياشيمه ريح ، شمّها ؛ هذا إذا سلمت حواسّه. ثم هو مطبوع على المشى برجليه والتّناول بيديه. فالنّاس كلّهم قد طبعوا على هذا كما طبع الاوزّ على السّباحة ، واستووا فيه كما أنّ (٣) الاوزّ قد استوى (٤) فى السّباحة. فهذا الطّبع من النّاس هو الّذي يشاكل طبع الاوز فى السباحة. وكلّ جنس الحيوان هو مطبوع على فعله ، لا يخالف ما طبع عليه ؛ والانسان هو مطبوع ومخيّر ، قد شارك الحيوان فيما طبع عليه ، وخصّ بما هو مخيّر فيه ، مثل تعلّم العلوم التى النّاس فيها خاصّ وعامّ ، ومنهم من ليس فى وسعه أن يتعلم حرفا واحدا. ولا بدّ أن يكون فيهم إمام ومأموم وعالم وجاهل. وهذا باب لا يخفى على عوامّ النّاس ، فكيف على أهل المعرفة والتّمييز؟! فهل رأيت أعمى قلبا وأقلّ عقلا ممن يشبّه (٥) سباحة (٦) الاوز بطبعه باستخراج علم الفلسفة ومعرفة حركات الفلك وطبائع العقاقير وسائر العلوم اللّطيفة من الهندسة وغير ذلك؟ وهل رأيت أجهل ممّن (٧) زعم أنّ النّاس استخرجوا هذه اللّطائف واستغنوا من أئمّتنا ، كما استغنى

__________________

(١) ـ لم يغنه : لا يغنه C (٢) استغنى الاوز : استغن الاول A (٣) ـ أن : + كل A (٤) استوى : استوواABC (٥) ـ يشبه : تشبه C (٦) سباحة : بسباحةC (٧) ـ ممن : من B

٢٨٤

الاوزّ حين سبح بطبعه عن أئمّتنا ، ثم يدّعى أنّه فيلسوف العالم (١) فى زمانه وحكيم أهل دهره؟! ولعمرى لا تنكر (٢) له هذه الدّعوى مع هذا القياس وهذا التّشبيه ، ثم يعيّر (٣) المسلمين ويقول : مسلّم (٤) لهم بما قد حل بهم من آفة (٥) سكر العقل وغلبة الهوى. فأىّ سكر عقل (٦) وغلبة هوى (٧) أشدّ (٨) من سكر عقل صاحب هذا (٩) القياس وغلبة هواه؟! ونقول مسلّم له بقياسه وفلسفته هذه التى أعمى الله قلبه فيها وأسكر عقله.

(٦) وأمّا قوله : أخبرونا بأىّ لغة وقف أوّل إمام من أئمتكم على اللغّات؟ وهل فى ذلك بدّ من الالهام؟ على أنّ إماما لو عرف لغة ثم أراد أن (١٠) يعرّفها (١١) النّاس لما قدر على ذلك ، إذا (١٢) لم تكن عندهم سابقة ، فليس بدّ من الرّجوع إلى الالهام بتّة بتّة. هذا قول الملحد.

نقول فى جوابه : إنّ للملحد (١٣) أن يقول بقدم العالم أو بحدثه. فان ادّعى قدم العالم فقد ارتفع القول معه فى باب اللّغات ، لانّها قديمة مع العالم ، على دعوى من ادّعى قدم العالم ؛ وانقطع القول فى باب الالهام والتعلم. وإن أقرّ (١٤) بحدث العالم ، قلنا إنّ محدث العالم ، لمّا خلق هذا البشر علّمه اللّغات ، كما قلنا إنّه عزوجل علّم آدم الأسماء كلّها. وجائز (١٥) أن يكون علّمه جميع اللغات ، فعلّم هو ولده وجائز أن يكون (١٦) علّمه (١٧) بعضها دون بعض ، ثم علّم عزوجل ولده الذين كانوا فى مثل منزلته من النبّوّة ، سائر اللّغات (١٨) ، كما قيل إنّ آدم (ع) كانت له اللّغة (١٩) السّريانيّة (٢٠). فلمّا كان انتشاء (٢١) النّسل من آدم ، تعلّم ولده لغته كما نرى أنّ الأولاد يتبعون

__________________

(١) ـ العالم : عالم A (٢) ـ تنكر : تذكرA (٣) ـ يعير : يعسرB (٤) مسلم : مسلماABC (٥) آفة : امةA (٦) عقل : ـ A (٧) ـ هوى : الهوى A (٨) اشد : اشك A (٩) هذا : هذه C (١٠) ـ ان : ـ BC (١١) يعرفها : تعريفهاC (١٢) اذا : ان C (١٣) ـ الملحد ... للملحد : ـ A (١٤) ـ اقر : اقراB (١٥) ـ جائز : كائن C (١٦) ـ علمه ... يكون : ـ B (١٧) علمه : علمهاB (١٨) الذين ... سائر اللغات : ـ B (١٩) ـ اللغة : لغةABC (٢٠) السريانية : السوريةC (٢١) ـ انتشاء : انتشاAB انتشى C

٢٨٥

آباءهم فى لغاتهم فى جميع الأقاليم والجزائر. وكذلك كلّ نبىّ لمّا علّمه الله لغة (١) ، اقتدت (٢) به أمّته (٣) وتعلمت (٤) لغته (٥) ، كما نرى ونشاهد أنّ العجم لم تعرف لغة العرب إلّا النّبذ منهم اليسير. فلما قبلوا شريعة الاسلام أقبلوا على تعلم (٦) العربية حتى قد مهر بها أكثرهم تعلّما لا إلهاما. فهل رأيت عجميا ألهم لغة العرب من غير تعلّم كما قال الملحد : إنّه لو أراد أن يعلّم النّاس لغة لما قدر عليه ، إذا لم تكن سابقة ، وإنّه لا بدّ من الرّجوع إلى الالهام بتّة بتّة؟! فهذه العجم قد تعلّمت العربيّة ، ولم يكن لهم سابقة ، ولم يتكلّموا بها إلهاما بل تعلّما. وكذلك سبيل من يتعلّم لغة لم يعتدها (٧) ، أن يأخذها (٨) بالتعلّم (٩) ، لا بالهام. ولا بدّ أن يكون لكلّ لغة إمام قد علّمها الله إيّاه ، ثم يعلّمها النّاس ، كما قد ذكر أنّ أوّل من تكلّم بالعربيّة ، إسماعيل بن إبراهيم (ع) فتق الله بها لسانه وعلّمه إيّاها ، لأنّه كان نبيّا ؛ ثم علّمها هو ولده ، فأخذوها عنه تعلّما لا إلهاما ؛ على سبيل ما يعاين : أنّ العجم أخذتها عن (١٠) العرب تعلّما لا إلهاما ؛ وهذا واضح لا مرية فيه. وإذا وضحت الحجّة بالمشاهدة فى هذه اللّغة ، فهو دليل على أنّ سائر اللّغات هكذا كان سبيلها ، وأنّ البدء فيها كان من رجل واحد. وذلك الرّجل علّمه الله لغة ما ، فعلّمها (١١) هو من اقتدى به. وإذا وضح أنّ الفرع (١٢) هو تعلّم (١٣) وليس هو إلهام ، صح أنّ الأصل هو تعلّم لا إلهام. واذا صحّ أنّ ذلك الأصل الّذي هو من رجل واحد تعلّم ، ولم نجد له أوّلا ، صحّ (١٤) أنّ (١٥) ذلك الأوّل كان تعلّمه من خالق اللّغات ،

__________________

(١) ـ لغة : ـ A (٢) اقتدت : اقتدى ABC (٣) امته : امة : B (٤) تعلمت : تعلمواABC (٥) لغته : لغةB (٦) ـ تعلم : + لغةBC ـ (٧) ـ يعتدها : يتعديهاA ، يتعداهاB ، يعتدد لهاC (٨) ان يأخذها : يأخذA (٩) بالتعلم : بالتعليم C (١٠) عن : من BC ـ (١١) ـ فعلمها : تعلمهاA ، فعلهاB ، تعلمه C (١٢) ـ الفرع : الفراغ C (١٣) تعلم : التعلم C (١٤) ـ صح ... صح : ـ B (١٥) أن : ـ A

٢٨٦

كما أنّ الاوّل (١) خلقه (٢) خالق اللّغات وخالق الخلق كلّه ، وأنّ الله علّمه على سبيل الوحى. فان كان إلهاما ، فهو من الله عزوجل وهو جنس من الوحى. وليس له (٣) بد من الرجوع إلى قول أصحاب الشّرائع : إنّ بدء تعلّم الأشياء كلّها من الله جلّ ذكره (٤) ، بوحى منه إلى أنبيائه (ع) ثم علموها النّاس. كما قد ذكر أنّ بابل سمّيت بابل لأنّ الألسن تبلبلت فيها بعد خروج نوح من السّفينة ، لأنّ ولد نوح ومن كان معه فى السّفينة تفرقوا فى البلدان ، وتكلم كل واحد منهم (٥) بلغة ما ، فأخذ (٦) أولادهم عنهم اللّغات ، وأنّ ذلك الواحد فى كلّ بلد (٧) علّمه الله إيّاها. فان كان الهاما ، فهو وحى من الله عزوجل وهو تعلّم منه. وإن كان تعلّم من ملك ، فهو أيضا وحى من الله عزوجل ، وهو تعلّم منه ؛ لانّ الأنبياء (ع) تفاوتت (٨) مراتبهم وفضّل الله بعضهم على بعض درجات : فمنهم من أتاه (٩) الملك بالوحى وتراءى له حتى عاينه ، ومنهم من رأى الملك بروحه ، كما أنّ محمّدا (ص) كان يأتيه جبرئيل (ع) فى أوقات فى صورة إنسان وفى أوقات كان يغفو إذا أتاه الوحى ثم يفيق فيتلو ما أوحى الله (١٠) ، ومنهم من يقذف فى قلبه فيكون ذلك الهاما وتأييدا من الله عزوجل ووحيا منه (١١) ؛ ومنهم (١٢) من يوحى إليه فى منامه ، ومنهم من ينظر فى الشيء (١٣) فيعتبر به ويلقى الله فى روعه (١٤) ويعلمه ما فى ذلك الشيء من النفع والضر كما ذكرنا فى قصة المسيح (ع) انه كان لا يمر بحجر ولا شجر (١٥) الّا وكان يكلمه. والوحى من الله عزوجل إلى أنبيائه (ع) على هذه الجهات كلها ؛

__________________

(١) كان ... الاول : ـ C (٢) ـ خلقه : ـ A (٣) ـ له : ـ A (٤) ـ جل ذكره : ـ A (٥) ـ منهم : ـ A (٦) فاخذ : تاخذB (٧) ـ كل بلد : بلداB (٨) ـ تفاوتت : تتفاوت C (٩) ـ اتاه : + من الله B (١٠) ـ الله : إليه C (١١) ومنهم ... وحيا منه : +A ـ (١٢) ـ منهم : منه C (١٣) ـ الشى : شى C (١٤) روعه : اوعه A (١٥) ـ شجر : بشجرA

٢٨٧

يوحى إليهم كيف يشاء على حسب درجاتهم.

(٧) فان قال قائل : إنّ النّاس (١) يلهمون أشياء وإنّهم يرون (٢) فى منامهم أشياء ، قلنا : الالهام يكون على ثلاثة أوجه : فما كان يوحى من الله عزوجل صحّ ما يتكلّم به من يلهمه الله ويظهر صدق قوله وحكمته فيما ينطق به من ذلك الالهام ، واذا صحّ علمنا أنّه من الله ، كما ذكر الله عزوجل : (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى) إلى قوله : (فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) ، ثم قال : (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (٧) ؛ فهذا كان إلهاما من الله عزوجل ، وصحّ (٤) لأنّ الله ردّ موسى إليها وجعله من المرسلين. ومنه ما يكون توفيقا من الله عزوجل للصّالحين من عباده ، فيما يأتون ويذرون من أمور دينهم ودنياهم. ومنه إلهام يكون من وساوس النّفس ، مثل كلام هؤلاء الموسوسين الذين ليس لكلامهم نظام (٥) ولا حقيقة ، وهو من جهة الطّبيعة وخفّة الدّماغ (٦) وتغوية الشّيطان على ذلك. فهذا سبيل الالهام.

وكذلك الرؤيا تكون على وجوه : فالذى يراه الأنبياء (ع) فى منامهم ، لا يبطل بتّة بتّة ، ولا يحتاج إلى عبارة (٧) ، واذا رأوا شيئا كان ذلك الشّيء بعينه ؛ فهذا ما خصّوا به. ثمّ يشتركون مع النّاس ، فرّبما رأوا فى منامهم شيئا يحتاج إلى التّأويل ؛ وسبيله سبيل سائر المنامات التى يراها الناس ممّا إذا عبّر كانت له حقيقة ؛ وهذا جنس من الرّؤيا يشترك الأنبياء (ع) مع سائر الناس فى ذلك ، ويخصّون بالنّوع الآخر الّذي قد ذكرناه. ومن الرّؤيا ما يكون من جهة الطبيعة ، ومنها (٨) ما يكون من بقايا الفكر ؛ فهذان النّوعان لا حقيقة لهما ، والأنبياء (ع) منزّهون (٩) عن هذه الرؤيا ؛ وهى (١٠) التى

__________________

(١) ـ الناس : اللباس A (٢) يرون : يروون A (٣) ـ المرسلين : ـ A (٤) عز ... صح : ـ A (٥) ـ نظام : نظامهم A (٦) الدماغ : ـ B (٧) ـ عبارة : عبادةB (٨) ـ منها : منه ABC (٩) ـ منزهون متنزهون A (١٠) هى : ـ C

٢٨٨

يقال لها «أضغاث أحلام» ، ولا تاويل لها ، ولا تصح عبارتها ، كما تصح عبارة الرّؤيا الصحيحة التى تكون من أسرار العالم العلوىّ فيراها الانسان الصالح ، التى هى من (١) جنس الرّؤيا التى يراها الأنبياء ، فتصحّ بالتّأويل ، وان لم تكن على ذلك الصّفاء ، كما قال النّبي (ص) : «الرّؤيا الصّالحة من الرجل الصّالح جزء من أربعين جزء من النبوّة.» فهكذا كان (٢) سبيل الرّؤيا التى هى وحى (٣) الأنبياء وهى على ما ذكرنا لا يحتاج فيها إلى عبارة ولا تأويل وهم مخصوصون بها دون سائر الناس. فهكذا مراتب الأنبياء (ع) ودرجاتهم. وكان لمحمّد (٤) فى هذه المراتب كلّها (٥) حظّ وافر ، وفضّله (٦) الله على من لم يكن فى درجته بذلك. والالهام الّذي هو وحى من الله ، سبيله على ما ذكرنا. ومن ألهم اللّغات ، كان ذلك الالهام وحيا (٧) من الله عزوجل وتوقيفا (٨) وتعليما (٩) ؛ وهى نبوة. وليس سبيله سبيل الالهام الّذي هو وساوس الملحدين الذين زعموا أنّه عام فى النّاس على حسب ما يوردونه من كلامهم ؛ بل ، هو للأنبياء خاصّة دون سائر الناس.

ومن اللغات (١٠) ما هى أفضل ، كما أنّ فى الأنبياء من هو أعلى درجة. وأفضل اللّغات أربعة : العربيّة والسريانيّة (١١) والعبرانيّة والفارسيّة ؛ لأنّ (١٢) الله عزوجل أنزل كتبه على أنبيائه بهذه اللّغات ، ثم ترجمت الكتب (١٤) بسائر (١٣) اللّغات للامم إلّا القرآن العظيم ، فانّه باللّغة العربيّة ، وهى أفضل الأربعة ، وهى متمنّعة (١٥) عن التّرجمة لأسباب تركنا ذكرها للاطالة وقد فسرنا

__________________

(١) ـ التى هى من : ـ C فيكون هناك تقديم وتاخير فى نسخةB بين فقرة ٦ ـ ٣ (فتصح ... وحى الأنبياء) وفقرة ٨ ـ ٦ (وهى على ... ودرجاتهم) (٢) ـ فهكذا كان : ـ C (٣) وحى : + الى B (٤) ـ لمحمد : محمدC (٥) كلها : ـ C (٦) وفضله : فضله A (٧) وحيّا : وحى ABC (٨) توقيفا : توقيف ABC (٩) تعليما : تعليم ABC (١٠) ـ ومن الغات : ـ C (١١) ـ السريانية : السوريةC (١٢) لان : كان A (١٣) ـ اللغات ... بسائر ـ B (١٤) الكتب : ـ A (١٥) ـ متمنعة : ممتنعةBC ـ

٢٨٩

ذلك فى غير هذا الكتاب.

فاصل اللغات كلها (١) على ما ذكرنا ، هى بتوقيف (٢) من (٣) الله عزوجل لأنبيائه ، وهم علّموها النّاس. وليس سبيلها على ما ذكره الملحد أنّها (٤) باستخراج من النّاس بلا وحى من الله ، وأنه جائز أن يلهم النّاس كلّهم ذلك. ولو كان (٥) الأمر على هذا ، لما انتظمت لغة ؛ بل ، كانت تتفاوت (٦) حتى لا يكون لها نظام ؛ لأنّ الشّيء إذا كان من قوم شتى واختلفت (٧) فيه الآراء ، اختلف ولم ينتظم ، كالاختلاف (٨) الّذي قد ذكرناه (٩) من كلام هؤلاء المتّسمين بالفلسفة الّذي ينقض بعضه (١٠) بعضا. فلمّا وجدنا كلّ لغة منتظمة قد اتفقت (١١) عليها أمّة من النّاس ، علمنا أنّ اصل كلّ لغة من رجل واحد مؤيّد بوحى من الله عزوجل ، وصحّ أنّ اللّغات كلّها من الأنبياء (ع). وأيضا لو كان الأمر على ما ادعاه الملحد ، لوجب أن يلهم أهل كلّ دهر (١٢) لغة ما ، كانوا يبتدءونها ويستكملون بها. فكيف قد انقطع هذا الالهام وغارت هذه القريحة ولم يطل (١٤) هذا الطّبع ، حتى لا يقدر أحد أن يذكر قوما أبدعوا لغة أخذتها النّاس عنهم منذ دهر (١٣) طويل بلا توقف على غاية (١٥) ؛ إلّا ما يذكر من أمر هذه اللّغات. فان كان هذا عاما وجب أن يذكروا لنا لغة محدثة. ولن يأتوا بذلك أبدا لأنّ اللّغات أصلها من الأنبياء كما ذكرنا.

(٨) فلمّا ختمت النبوّة ، ختمت اللّغات ، كما ختم سائر هذه الأسباب التى هى من أصول الأنبياء والحكماء بوحى من الله عزوجل ، ولم يبق فى العالم

__________________

(١) ـ كلها : ـ C (٢) بتوقيف : بتوفيق BC ـ (٣) من : ـ A (٤) انها : الامهاA ، انه B (٥) ـ ولو كان : ـ C (٦) تتفاوت : متفاوت A (٧) ـ اختلفت : اختلف B (٨) كالاختلاف : كاختلاف BC ـ (٩) ـ ذكرناه : ذكرناB (١٠) بعضه : بعضهم C (١١) ـ اتفقت : اتفق AC ، اشفق B (١٢) ـ اهل كل دهر : ـ C (١٣) ـ لغة ... كل دهر : ـ AC ـ (١٤) ـ يطل : يبطل AB (١٥) ـ دهر طويل ... غاية : دهر على غاية بلا توقف B

٢٩٠

إلا رسومهم. فلا نجد فى العالم غير رسومهم أو (١) ما استخرج من (٢) رسومهم وبنى على أصولهم. ووجدنا من الرّسوم المحدثة التى تشاكل حكمة الحكيم ، ما أحدث فى هذه الأمّة ، واستخرج من اللّغة العربيّة ، وهو النحو والعروض ؛ وهما معياران لكلام العرب. وأخذ اصلهما (٣) عن حكماء الأمّة وأئمّة الهدى ؛ لأنّ النّحو رسمه أمير المؤمنين عليّ (ع) لأبى الأسود الدّؤلي (٤) ، وكان (٥) أمير المؤمنين (ع) حكيم دهره ، بل رأس الحكماء بعد رسول الله (ص) فى هذه الأمّة. فألهمه الله عزوجل استخراج ذلك. ولم يكن نبيا ، بل كان مرّوعا محدّثا وسبيل المروّعين المحدّثين فى هذه الأمّة سبيل الأنبياء فى (٦) الامم ؛ وحكمتهم مستفادة من محمّد (ص) وكان على (ع) مختصا بذلك من بين الأمّة ، أودعه النبىّ أسرارا (٧) فضّله بها على غيره ، فعلّمها هو (٨) المستحقّين من الأمّة. فمنها ما (٩) اختصّ بها قوما من الخاصّة وسترها (١٠) عن العامّة ، ومنها ما بذلها للخاصّة والعامّة. والنّحو يشاكل (١١) حكمة الحكماء ، وإن لم يكن من أسباب الدّيانة. وهو (ع) استخرجه من لغة العرب ورسمه (١٢) لأبى الأسود الدّؤلي (١٣) ، فأخذه (١٤) عنه وقاس عليه ، ثم أخذ عنه النّاس ، فاتسعوا فى القياس فيه.

(٩) وكذلك (١٥) العروض ، أخذ أصله الخليل بن أحمد من رجل من أصحاب على بن الحسين بن على بن أبى طالب (ع) ، وكان أيضا حكيم دهره وإمام زمانه. ثم قاس عليه الخليل بن أحمد وأخرجه إلى النّاس. فهذان الأصلان

__________________

(١) او : وA (٢) من : ـ C (٣) ـ اصلهما : اصلهاA (٤) الدؤلي : الديلمى A (٥) وكان : ـ C (٦) ـ الأنبياء فى : ـ A (٧) ـ اسرارا : اسرارBC ـ (٨) ـ هو : ـ C (٩) ما : من C (١٠) ـ سترها : سترA (١١) ـ يشاكل : مشكل C (١٢) ـ رسمه : وسمه B (١٣) الدؤلي : الديلمى A (١٤) فاخذه : واخذه A (١٥) ـ وكذلك : ـ C

٢٩١

أحدثا فى هذه الأمّة ، وهما من حكماء الدّيانة وأئمة الهدى.

وهكذا كلّ حكمة فى العالم صغرت أو كبرت ، أصلها من الأنبياء (ع) ، وهم ورّثوها الحكماء والعلماء من بعدهم ، ثم صار ذلك تعليما فى النّاس ؛ وكذلك سبيل اللّغات. ولو كان (١) الأمر على ما ادّعاه الملحد أنّ النّاس شرع واحد فى الحكمة ، وأنّ كلّ (٢) الناس يلهمونها ويدركونها بالطّبع لا بوحى من الله عزوجل ولا بتعليم ، وأنّ سبيل اللّغات كذلك ، لما انتظم أصل ولا اعتدل الأمر فيه ، كما نرى من انتظام أمر اللّغات واعتدالها. وكذلك السبيل فى كل كتاب الّف على حكمة مثل المجسطى وأقليدس وغير ذلك ممّا يشبههما (٣) ، هى على نظام واعتدال يدل على أنّ كلّ أصل هو من رجل واحد (٤) ، لم يشركه فى تأليفه غيره. وإذا ثبت هذا ، صحّ أنّه بتوقيف (٥) من الله عزوجل ووحى منه ، وأنّ ذلك ليس هو استخراجا بطبع ، لأنّه لا يجوز أن يخصّ رجل واحد من بين (٦) جميع الأنام الذين نشئوا (٧) فى أعصار كثيرة ، وذلك الرجل الواحد يكون مختصا بذلك ، وهو فى مثل طبعهم ، دون أن تكون فيه قوّة إلهية موهوية من البارى خالق الخلق جل وتعالى ، وتلك القوّة هى الوحى الّذي يوجب لصاحبه اسم النبوّة على ما شرحناه من مراتب الأنبياء (ع). ومن تدبّر ما قلنا ونظر بعين النّصفة لم تخف عليه هذه الحال ؛ ولا يبعد الله إلّا من عاند وظلم نفسه.

__________________

(١) ـ ولو كان : ـ C (٢) ـ كل : كان C (٣) ـ يشبههما : يشابهاC (٤) ـ واحد : واخذA (٥) ـ بتوقيف : بتوفيق B (٦) ـ من بين : ـ A (٧) نشئوا : لشئوAB

٢٩٢

الفصل (١) الثانى

مبدأ النجوم والرصد

(١) وأمّا قول الملحد : أين (٢) ما دلت إليه أئمّتكم من التّفرقة بين السّموم والأغذية وأفعال العقاقير (٣)؟ أرونا منه (٤) ورقة واحدة كما نقل عن بقراط وجالينوس الألف لا الآحاد وقد نفع الناس ، وأرونا شيئا من علوم حركات الفلك وعلله نقل عن (٥) رجل من أئمّتكم أو شيء من الطّبائع الطّريفة نحو الهندسة وغير ذلك. ثم قال (٦) : فان قلتم من أين عرف النّاس أفعال العقاقير فى (٧) الأبدان ، وما ذكره فى هذا الباب.

وقد حكينا دعواه فى ذلك وقلنا فى باب إلهام الاوزّ (٨) السّباحة ، وفى باب اللّغات ما فيه مقنع إن شاء الله. وقد (٩) قدّمنا القول فى باب الحكماء

__________________

(١) ـ فصل : A (٢) ـ الملحد أين : الملحدين BC ـ (٣) ـ الاغذية وافعال العقاقير : افعال العقاقير والاغذيةB (٤) ارونا منه : ـ B (٥) ـ نقل عن : فعل C (٦) ـ ثم قال : ـ C (٧) فى : وB (٨) ـ إلهام الاوز : الالهام والاوزA (٩) ـ وقد : ـ AC ـ

٢٩٣

الذين كنوا (١) عن أسمائهم ووضعوا هذه الأصول ، وانّهم كانوا أنبياء ، وهم أئمّتنا. وليس أولئك الحكماء معدودين فى جملة أئمّة الملحدين الذين درسوا تلك الكتب والأصول بعدهم ، ثم تسمّوا (٢) بأسمائهم ورفضوا الشّرائع وتكلموا فى البارى جل وتعالى وفى مبادى الاشياء وابتدعوا ذلك الغثاء (٣) المتناقض الّذي يدلّ على حيرتهم ويشهد بضلالتهم (٤). وليس للملحد أن يتبجّح (٥) بأولئك الحكماء المحقّين (٦) الذين لهم تلك الاصول ، فانّهم أئمّتنا لا ائمّة الملحدين. وما (٧) مثل الملحد فى التّبجّح بهم والافتخار بتلك (٨) الأصول إلا مثل شيخ كان واقفا فى رأس حلبة وقد أرسلت خيل فى السّباق فجاء فرس سابقا ، فلما رأى الشيخ ذلك الفرس استشاط فرحا وجعل يصفق بيديه ويضطرب ويطرب. فقال له (٩) قائل : أيّها الشيخ! أهذا (١٠) الفرس لك؟ قال : لا ، ولكن اللّجام الّذي عليه ، هو (١١) لى ؛ وكذلك (١٢) سبيل الملحد بافتخاره بأولئك الحكماء وباصولهم. وما قرابته منهم إلا كقرابة جار النّجار الّذي ضرب به المثل المشهور. لان الملحد منكر للنبوة ، وهؤلاء كانوا أنبياء كما ذكرنا من (١٣) شأن إدريس وغيرهم. وإنّما نظر الملحد فى أصولهم وتعلّم منها وجهل فضلهم ومراتبهم وحطّهم (١٤) عن تلك المراتب التى فضّلهم الله بها الى المنزلة الخسيسة التى اختارها لنفسه ، جهلا منه وضلالا. ولو تأمّل حالهم وأنصف ، لعلم أنّه ليس فى وسع البشر أن يدركوا مسافة ما بين مصرين

__________________

(١) ـ كنوا : ـ A (٢) ـ تسموا : قسمواB (٣) ـ الغثاء : الغناءA ، الغشاءB (٤) ـ بضلالتهم : بضلالهم C (٥) ـ يتبحج : يحتج C (٦) المحقين : المحققين BC ـ (٧) ـ وما : وA ، ـ C (٨) بتلك : وبتلك A (٩) ـ فقال له : قال C (١٠) ـ اهذا : اهذه BC ـ (١١) ـ عليه هو : هو عليه B (١٢) وكذلك : ـ C (١٣) ـ من : فى C (١٤) ـ حطهم : حظهم C

٢٩٤

متدانيين لا تبلغ (١) مساحتهما مائة ميل ، إلّا بعد أن يمسحها بالحبال (٢) والقصب المذروعة المقوّمة المقاسة ، وإلّا بعد أن يشاهد تلك المساحة ويباشرها بنفسه وإن مسحها رجلان أو ثلاثة لم يسلموا من الاختلاف. فكيف يجوز أن يقال إنّ أحدا (٣) يقدر على مساحة ما بين الأفلاك الغائبة عن تناول أوهام البشر؟ كيف ... عن مشاهدتها؟ وكيف يجوز أن يحكموا فى مقاديرها ، ثم يدوّنوا ذلك فى كتبهم ، مكما قدر سموا فيها وقالوا إنّ عرض الفلك مائة ألف فرسخ وإنّ ما بين الفلك الأدنى إلى قبالة الأرض مائة ألف فرسخ وتسعمائة فرسخ (٤). هذا إلى (٥) سائر ما ذكروا من مسافة ما بين كلّ فلكين. نحو هذا الحساب ، تركنا ذكره للاختصار.

(٢) ثم قالوا (٦) إنّ جميع ذلك من الفلك الأعلى إلى الوجه الّذي بين السّماء والأرض ألف ألف فرسخ وتسعمائة (٨) وثمانون فرسخا (٧). وقالوا إنّ (٩) استدارة (١٠) الأرض أربعمائة وعشرون ألف (١١) ميل وقطرها سبعة ألف وثلاثون ميلا ، وأن عرض الأرض من القطب الجنوبى الّذي يدور حوله سهيل إلى القطب الشّمالى الّذي يدور حوله بنات نعش فى موضع خط الاستواء (١٢) ، ثلاثمائة (١٣) وستون درجة ، والدّرجة خمسة وعشرون (١٤) فرسخا ، والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع ، والذّراع أربع وعشرون إصبعا والاصبع ست (١٥) حبّات ، وإنّ بين خط الاستواء وكل واحد من القطبين تسعين درجة. واستدارتها عرضا مثل ذلك (و) فى الأرض بعد خط الاستواء أربع (١٦) وعشرون درجة ، ثم باقى

__________________

(١) ـ لا تبلغ : لا يبلغ AB (٢) بالحبال : بالجبال AB (٣) ـ احدا : احدC (٤) ـ فرسخ ... فرسخ : ـ A (٥) ـ هذا الى : ـ C (٦) ـ ثم قالوا : ـ C (٧) ـ تسعمائة وثمانون فرسخا : تسعمائة فرسخ وثمانون فرسخ A ، ستمائة وثمانون فرسخاB (٨) تسعمائة : ـ C (٩) ـ قالوا ان : ـ C (١٠) استدارة : استدلال A (١١) أربعمائة وعشرون الف : أربعمائة الف وعشرون B (١٢) ـ خط الاستواء : + وان خط الاستواءB (١٣) ثلاثمائة : ـ B (١٤) ـ عشرون : عشرين A (١٥) ست : ستة : BC (١٦) ـ استدارتها ... اربع : ـ A

٢٩٥

ذلك قد غمره (١) البحر الكبير. وكل ربع من الشمالىّ والجنوبىّ سبعة أقاليم. وإنّ مدن الأرض أربع (٢) ألف ومائتا مدينة وان طول البحر من القلزم الى مشارق الصين ، بلاد الواق واق ، أربعة الف وخمسمائة فرسخ.

ثم قالوا (٣) فى مقادير الكواكب السيّارة إنّ مقدار الشّمس ، مثل الأرض والماء أربعمائة وستون مرّة (٤) وربع وثمن. هذا (٥) ، مع سائر ما تكلّموا فيه من مقادير سائر الكواكب. فهذه أسباب (٦) تتحيّر العقول من استماعها وتكلّ الألسن عن وصفها فكيف عن الحكم فيها. ومن الّذي يقدر أن يدرك هذا بطبعه ، ويستخرجه بفطنته ، ويبلغ هذه الغايات (٧) باستنباطه ، ويقدر على وضع المجسطى الّذي عمل على الأرصاد وتركيبات الأفلاك وعللها وآلات الرّصد (٨) وذات الصّفائح وذات الحلق (٩) وغير ذلك من الآلات والمقادير التى هى فى أيدى النّاس ونقلت عن الحكماء وتعلّمها الخاص والعام؟ ومن قدر على وضع أقليدس وأشكاله ومعرفة الأكر والأوتار (١٠) والأضلاع والمراكز بالمقادير الضّروريّة والهندسيّة (١١)؟ وهل يجوز لعاقل أن يحكم فى هذه الأسباب بأنّها (١٢) استدركت بالفطنة ، واستنبطها هؤلاء الحكماء بطبائعهم ، ولحقتها (١٣) عقولهم ، وارتقوا إلى السّماء واطّلعوا فى الأفلاك فعلموا عددها وعدد الكواكب السيّارة وفرّقوا بينها وبين الكواكب الثّابتة التى تعرف بها الطّوالع والغوارب ، وعرفوا منازل القمر ، وقسّموا الفلك إلى اثنى عشر برجا (١٤) ، والبروج الى الدّرجات والدّرجات الى الدّقائق والدّقائق

__________________

(١) ـ غمره : عهزه A (٢) ـ اربع : أربعةAB ، أربعة أربعةC (٣) ـ قالوا : قال B (٤) ـ أربعمائة وستون مرة : مائة مرة واربع وستون مرةB (٥) هذا : كذلك C (٦) ـ فهذه اسباب : ـ C (٧) ـ الغايات : ـ B (٨) ـ الرصد : الرحيدA (٩) ذات الحلق : ذات الخلق A (١٠) ـ الاوتار : الاوتادAB (١١) ـ الهندسية : الهندسةC (١٢) ـ بانها : انهاABC (١٣) ـ لحقتها : لحقهاC (١٤) ـ برجا : بروجاA

٢٩٦

إلى الثّوانى والثّوانى الى (١) الثوالث حتى يدقّ الحساب. ثم عرفوا محل كلّ كوكب فى فلكه ، ثم مقدار سير (٢) الكواكب الخمسة فى استقامتها ورجوعها ومقدار سير النّيّرين مع اختلاف سيرها. فانّ منها ما يقطع الفلك فى زيادة على ثلاثين سنة ، ومنها ما يقطعه فى أقلّ من شهر. ثم مواضع (٣) سعودها ونحوسها وهبوطها وصعودها على حسب ما قد رسمه الحكماء فى كتبهم ، مع استقامة (٤) هذا الحساب واعتداله الّذي لا اختلاف فيه إلّا الشيء اليسير الّذي بين الزّيجات ؛ وهو حساب منتظم متّسق يركّب على انقضاء السّنين ، وتقوم به الكواكب ، ويعرف به محلّ كلّ كوكب فى برجه ودرجته ودقيقته فى كل سنة وكل يوم وكل ساعة. ثم ما تكلّموا فيه ، من الأحكام بعلوم السّماء ، وما يحدث من الأشخاص العالية فى الهواء وما يكون ويحدث فى التّركيبات المحيطات بالأقاليم ، وما تحت الثّرى (٥) إلى أعلى علّيّين من أسرار رب العالمين ، وفى الدّعة والسّعة والرّخص والغلاء (٦) والصحّة والوباء ، ومتى (٧) تكون الأمطار والأنداء ، ومتى تهيج الرياح وتكون الظلمة والضياء. وارتاض عليه وأفنى عمره فى تعلّمه من العلماء ، بهذا الشأن وتوقيف منهم (٨) ومدارسة كتبهم ومداومة النّظر فى قوانينهم. وكيف من (٩) يدّعى أنّ هذا عرف كلّه باستنباط وفطنة من غير تعليم (١٠) ولا تقديم أصل فيه ولا نظر فى أصول الحكماء الذين وضعوا هذه الكتب. وهل يجوز (١١) أن يحكم أنّ أحدا (١٢) من البريّة فى وسعه أن يبلغ معرفة هذه الأسباب بفطنته وطبعه بلا معلّم ولا تعلّم أو يقدر على وضع هذه الكتب ابتداء منه و

__________________

(١) الثوانى الى : ـ B (٢) ـ سير : مسيرC (٣) ـ ثم مواضع : وعرفواC (٤) ـ استقامة : استيعاءA (٥) ـ الثرى : الثرياC (٦) ـ الغلاء : الغداءA ، الغلى C (٧) متى : من A (٨) ـ منهم : ـ A (٩) ـ وكيف من : ـ C (١٠) تعليم : تعلم AB (١١) ـ وهل بجوز : ـ C (١٢) احدا : احدC

٢٩٧

اختراعا؟ وهل يجوز أن يكون نهاية العلم والتّعلّم فى ذلك إلّا إلى (١) معلم سماوىّ من عند الله عزوجل خالق هذه الأشياء التى قد أحاط بها علمه ولا يخفى عليه منها (٢) خافية ، وأنّه هو الّذي علّم أهل الأرض بوحى منه إلى أنبيائه (ع) وهو الّذي وقّفهم (٣) على هذا الحساب؟ وأن (٤) هذه الأصول التى قد انتظم أمرها واتّسق ، لو لم يكن من واحد لاختلفت وتناقضت؟ فانّ كلّ أمر يجتمع عليه نفر ، من الأمور التى هى أرضيّة ويشاهدونها ويباشرونها ، يختلفون (٥) فيها ؛ فكيف بأسباب سماويّة على ما قد فسّرنا وعلى انتظام الأمر فيها؟ هيهات هيهات!! إنّ من أنكر أنّ هذا (٦) أصله من الأنبياء بوحى من الله إله السّماء ، وادّعى أنّه استخراج (٧) بالفطن والطّبائع ، قد اشتدّ عماه وعظم جهله وعزب عقله : والّذي قاله (٨) الملحد وادّعاه بعمى قلبه : إن ذلك (٩) استخراج بالأرصاد ومن الأصول الموسومة مثل المجسطي وأقليدس وبطلميوس والكتب المعروفة عند أهلها ، وإنّ منه ما يكون معرفته (١٠) بالطّبع ، فقد تقدّم (١١) فى هذا الباب صدر من هذا الكلام.

(٣) ونقول أيضا (١٢) لو اجتمعت أمم من النّاس من أهل العقول الكاملة والفهم والتّمييز والعدالة ، ومن لا يرتاب بأصالة رأيه ولطافة طبعه وصحّة قريحته ممن لم يتقدّم له معرفة بشأن النّجوم ولم ينظر فى هذه الرّسوم التى وضعت على هذا الحساب ، ثم نظروا بآرائهم ودبّروا بعقولهم (١٣) وقاسوا بأفهامهم وأفنوا أعمارهم واجتهدوا أن يلحقوا من حساب النّجوم حرفا

__________________

(١) ـ الى : ـ C (٢) ـ منها : ـ A (٣) ـ وقفهم : وفقهم B (٤) وان : ـ C (٥) ـ يختلفون : ويختلفون A (٦) ـ ان هذا : هذا ان AB ، هذاC (٧) ـ استخراج : استخرج C (٨) ـ والّذي قاله : واما قول C (٩) ـ ذلك : ـ A (١٠) ـ معرفته : معرفةA (١١) تقدم : مضى C (١٢) ـ ونقول أيضا : انه C (١٣) ـ بعقولهم : فى عقولهم B

٢٩٨

واحدا ويميّزوا بين الكواكب السيّارة والكواكب الثّابتة ، لما قدروا أن يفرّقوا بين الزّهرة والمشترى (١) فضلا عن غيره. فكيف بأن يقسّموا حساب الأفلاك هذه القسمة ، ويرتبوا (٢) الكواكب (٣) السّيّارة هذا التّرتيب؟ بل لو اجتمعوا على آلة من هذه الآلات المتّخذة مثل صفائح الأسطرلاب أو ذات الحلق وغير ذلك ثم سئلوا (٤) عن كيفيّتها وكيف العمل بها وهم يقلبونها بأيديهم ظهرا لبطن (٥) ويرون العمل الّذي قد نقش عليها من الحدود والبروج والدّرج والسّاعات والأوتاد ومحلّ (٦) الكواكب الثابتة وغير ذلك ، ثم طولبوا (٧) بأن يقوّموا قوس النّهار فى اليوم الّذي هم فيه (٨) ، ويقدّروا السّاعة التى هم فيها ، ومقدار ما مضى من نهارهم أو ينظروا إلى الطّالع وارتفاع الشّمس أو ينظروا فى أىّ برج الشّمس أو سائر الكواكب ، من غير معلّم يعلّمهم (٩) ويعرّفهم ، ثم أفنوا أعمارهم بالنّظر فى ذلك ، واجتهدوا أن يستخرجوه (١٠) بعقولهم وطباعهم ، لما ازدادوا على مرور الأيّام الأعمى فيه وقلة هداية إليه. هذا فى آلة من هذه الآلات وهم يقلّبونها بأيديهم ويباشرونها بحواسّهم وينظرون إلى كيفيّتها بأعينهم ويحيط بها نظرهم ، فكيف يستخرجون بالطّبع حركات الفلك الّذي لا يقدرون أن يعرفوا كيفيّته؟ وكيف يقدرون (١١) أن يلحقوا حساب الكواكب ومقدار سيرها (١٢) فى استقامتها ورجوعها وغير ذلك من الأمور الدّقيقة التى قد تقدّم القول فيها؟ وكيف تلحق (١٣) أوهامهم تلك الأسباب التى لا يشاهدونها ولا يقدرون أن يتوهّموها؟ وهذا عيان

__________________

(١) ـ المشترى : الشعرى C (٢) ـ يرتبوا : يرقبواA (٣) الكواكب : بالكواكب C (٤) ـ سئلوا : اسألواA (٥) ـ لبطن : لطبن A (٦) ـ محل : على A (٧) ثم طولبوا : ـ C (٨) ـ فيه : فيهاB (٩) ـ يعلمهم : يعلمهاA (١٠) ـ يستخرجوه : يستخرجواA (١١) ـ ان ... يقدرون : ـ B (١٢) ـ سيرها : سيرA (١٣) ـ تلحق : يلحق A

٢٩٩

لا يقدر أحد على دفعه الا بالبهت والمعاندة.

(٤) وهكذا (١) السّبيل فى باب الرّصد. لو ندبت (٢) للرّصد أمم من النّاس على ما (٣) وصفنا من العقل والرأى والتّدبير والعدالة ، ثم جمعوا فى مفازة (٤) سبخاء (٥) وكلّفوا أن يرصدوا النّيرين اللذين لا يخفى طلوعهما وغروبهما على الصّبيان والضّعفاء من النّاس ، دون الكواكب الخمسة التى لا يعرفونها بأعيانها ، ثم كلّفوا أن يرصدوا حركات الفلك ويعرفوا الطّوالع والغوارب من غير أن سبقت لهم معرفة بذلك ، ومن غير أن (٦) تكون معهم آلات الرّصد من الزّيجات والأسطرلابات ، ثم بقوا فى ذلك دهرهم ، لما خلصوا إلّا على النّظر إلى الكواكب ورؤية طلوع النّيّرين وغروبهما ، ولما كانت معرفتهم تزيد فى ذلك على معرفة البهائم فى النّظر إليها ؛ إلّا أن يكون لهم قدمة فى العلم بذلك ومعرفة مستحكمة (٧) ؛ وحتى يحضروا آلات الرّصد من (٨) الزّيجات والأسطرلابات وغير ذلك ؛ ويكون ذلك بعلم بارع قد تقدّم ورياضة من العلماء. وإذا كان (٩) هكذا ، فقد دحضت حجّة الملحد حين زعم أنهم يدركون بالأرصاد شيئا من هذه العلوم. وإذا كان الاستدراك بالرّصد لا يمكن إلّا بهذه الآلات التى قد تقدّمت ، فما الّذي اخترعوا بفطنهم من غير تعلّم (١٠) ولا رياضة وغير أصل قد تقدّم؟ فان احتجّ محتج أنّ المأمون ندب للرّصد قوما فاستدركوا تفاوتا بين (١١) الزّيجات التى قد تقدّمت ، وأحدث باستدراكهم الممتحن ، وانه مخترع

__________________

(١) ـ وهكذا : ـ C (٢) ندبت : ندب AC ، نصب B (٣) ـ ما : ـ A (٤) مفازة : مفارةA (٥) ـ سبخاء : سنجارA (٦) ـ سبقت ... غير أن : ـ C (٧) ـ مستحكمة : مستحكم A (٨) ـ من : + العلماءA (٩) ـ واذا كان : ـ C (١٠) ـ تعلم : تعليم C (١١) ـ تفاوتا بين : تفاوت ما بين AB

٣٠٠