وجلائله لحكمة أرادها منزله وأحكمها مجمله ومفصله ؛ فإذا استعان بالله وأدام الطرق لباب الفرج بإنعام التأمل وإظهار العجز والوثوق بأنه في الذروة من أحكام الربط كما كان في الأوج من حسن المعنى واللفظ لكونه كلام من جل عن شوائب النقص وحاز صفات الكمال إيمانا بالغيب وتصديقا للرب قائلا ما قال الراسخون في العلم : (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران : ٨] فانفتح له ذلك الباب ولاحت له من ورائه بوارق أنوار تلك الأسرار رقص الفكر منه طربا وشكروا لله استغرابا وعجبا وشاط لعظمة ذلك جنانه فرسخ من غير مرية إيمانه ورأى أن المقصود بالترتيب معان جليلة الوصف بديعة الرصف عالية الأمر عظيمة القدر مباعدة لمعاني الكلام على أنها منها أخذت ، فسبحان من أنزله وأحكمه وفصله وغطاه وجلاه ، وبينه غاية البيان وأخفاه ؛ وبذلك أيضا يوقف على الحق من معاني آيات حار فيها المفسرون لتضييع هذا الباب من غير ارتياب ، منها قوله تعالى في سورة البقرة (أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ) [البقرة : ١٣٣] الآيتين ، ومنها قوله تعالى في سورة النساء (فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً) [النساء : ٩٥] مع قوله عقيبه (وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً* دَرَجاتٍ) [النساء : ٩٥ ، ٩٦] وقوله تعالى في آخر هود (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) [هود : ١٠٩] الآية. إلى غير ذلك ، وقوله تعالى في سبحان (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) [الاسراء : ٨٥] الآية ، وقوله تعالى في السجدة (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) [السجدة : ١١] وقوله تعالى في يس [يس : ٣١] (أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ) مما تراه وينكشف لك غامض معناه ، وبه يتبين لك أسرار القصص المكررات ، وأن كل سورة أعيدت فيها قصة فلمعنى ادعي في تلك السورة استدل عليه بتلك القصة غير المعنى الذي سيقت له في السورة السابقة ، ومن هنا اختلفت الألفاظ بحسب تلك الأغراض وتغيرت النظوم بالتأخير والتقديم والإيجاز والتطويل مع أنها لا يخالف شيء من ذلك أصل المعنى الذي تكونت به القصة ، وعلى قدر غموض تلك المناسبات يكون وضوحها بعد انكشافها. ولقد شفاني بعض فضلاء العجم وقد سألته عن شيء من ذلك فرآه مشكلا ، ثم قررت إليه وجه مناسبته وسألته هل وضح له؟ فقال : يا سيدي! كلامك هذا يتسابق إلى الذهن. فلا تظنن أيها الناظر لكتابي هذا أن المناسبات كانت كذلك قبل الكشف لقناعها والرفع لستورها ، فرب آية أقمت في تأملها شهورا ، منها (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ) [آل عمران : ١٢١] في آل عمران. ومنها (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَ) و (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) [النساء : ١٢٧] ومن أراد
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
