الآيات ، ومن تدبر القرآن وطالع التوراة علم طول مكث موسى عليه الصلاة والسّلام فيهم يتلو عليه التوراة على حسب تنزيلها شيئا فشيئا وأنهم كانوا مع ذلك كلما شاهدوا آية أحدثوا كفرا وخلعوا شكرا وسألوا غيرها عنادا ومكرا (وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً) [المائدة : ١٣] وقد مر من أول السورة عن التوراة كثير من ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيته في المواضع اللائقة به من آيات القرآن. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ومتى بين شيء في الكتاب العزيز من أحوال النصارى فليس على ما ورد من مثله في اليهود لما ذكر أي من أن كفرهم تعنت ، وخطاب مشركي العرب فيما أشير إليه دون خطاب الفريقين إذ قد تقدم لهم ما لم يتقدم للعرب وبشروا في كتبهم وليس لمشركي العرب مثل ذلك ؛ والزيغ عن الهدى شامل للكل وليسوا في شيء من الصراط المستقيم مع أن أسوأ الأحوال حال من أضله الله على علم ؛ وهنا انتهى ذكر ما حذر منه ونهى عنه من أراد سلوك الصراط المستقيم وبيان حال من حاد عنه وتنكبه وظن أنه على شيء وضم مفترق أصناف الزائغين في أصناف ثلاثة وهم اليهود والنصارى وأهل الشرك ، وبهم يلحق سائر من تنكب فيلحق باليهود منافقو أمتنا ممن ارتاب بعد إظهار إيمانه وفعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء ، ويلحق بالنصارى من اتصف بأحوالهم ، وبالمشركين من جعل الله سبحانه وتعالى ندا واعتقد فعلا لغيره على غير طريقة الكسب.
(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨))
ولما بين سبحانه وتعالى كفر أهل الكتاب الطاعنين في نسخ القبلة بتكذيب الرسول صلىاللهعليهوسلم وكتمان الحق وغير ذلك إلى أن ختم بكفرهم بالاختلاف في الكتاب وكتمان ما فيه من مؤيدات الإسلام اتبعه الإشارة إلى أن أمر الفروع أحق من أمر الأصول لأن الفروع ليست مقصودة لذاتها ، والاستقبال الذي جعلوا من جملة شقاقهم أن كتموا ما عندهم من الدلالة على حقيته وأكثروا الإفاضة في عيب المتقين به ليس مقصودا لذاته ، وإنما المقصود بالذات الإيمان فإذا وقع تبعته جميع الطاعات من الصلاة المشترط فيها
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
