ولما كان التقدير : لأنه ظلم في ادعائه ذلك وفي الوجه الذي ادعى ذلك بسببه من قتل البريء وترك المجترىء ، قال سبحانه وتعالى : (وَاللهُ) أي الذي لا أمر لأحد معه (لا يَهْدِي الْقَوْمَ) أي الذين أعطاهم قوة المقاومة للأمور (الظَّالِمِينَ) عامة لوضعهم الأشياء بإرادته وتقديره في غير مواضعها ، لأنه أظلم قلوبهم فجعلها أحلك من الليل الحالك فلم يبق لهم ذلك وجها ثابتا يستمسكون به ، فأين منهم الهداية وقد صاروا بمراحل عن مواطن أهل العناية! وقصر فعل الهداية لإفادة العموم ، قال الإمام : فاختصر اللفظ إفادة لزيادة المعنى وهو من اللطائف القرآنية.
(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠))
ولما كان الإحياء والإماتة من أظهر آيات الربانية وأخصها بها أظهر سبحانه وتعالى الغيرة عليها تارة بإبهات المدعي للمشاركة ، وتارة بإشهاد المستبعد في نفسه وغيره بفعل ربه ، وتارة بإشهاد المسترشد في غيره بنفسه معبرا في كل منها بما اقتضاه حاله وأشعر به سؤاله ، فعبر في الكافر بإلى إشارة إلى أنه في محل البعد عن المخاطب صلىاللهعليهوسلم ، وفي المتعجب بإسقاطها إسقاطا لذلك البعد ، وفي المسترشد المستطلع بإذ كما هي العادة المستمرة في أهل الصفاء والمحبة والوفاء فأتبع التعجيب من حال المحاجج التعجيب أيضا من حال من استعظم إحياءه تعالى لتلك القرية. ولما كان معنى (أَلَمْ تَرَ) هل رأيت لأن هل كما ذكر الرضي وغيره تختص مع كونها للاستفهام بأن تفيد فائدة النافي حتى جاز أن يجيء بعدها (إِلَّا) قصدا للايجاب كقوله سبحانه تعالى (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ) [الرحمن : ٦٠] وقوله سبحانه وتعالى (هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) [الأنبياء : ٣] كان كأنه قيل : هل رأيت الذي حاج إبراهيم (أَوْ) هل رأيت (كَالَّذِي) ويجوز أن يكون التقدير لأن أخبار الأولين إنما هي مواعظ لنا : أقومك كهذا المحاج لأعظم إبائهم فهم يقولون : إن الإحياء ليس على حقيقته بالبعث بعد الموت ، أو
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
