الحق والتعظيم من الخلق (وَالْآخِرَةِ) بإبطال ما كان يستحق عليها من الثواب بصادق الوعد. ولما كانت الردة أقبح أنواع الكفر كرر المناداة بالبعد على أهلها فقال : (وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ) فدل بالصحبة على أنهم أحق الناس بها فهم غير منفكين منها.
ولما كانوا كذلك كانوا كأنهم المختصون بها دون غيرهم لبلوغ ما لهم فيها من السفول إلى حد لا يوازيه غيره فتكون لذلك اللحظ لهم بالأيام من غيرهم فقال تقريرا للجملة التي قبلها : (هُمْ فِيها خالِدُونَ) أي مقيمون إقامة لا آخر لها ، وهذا الشرط ملوح إلى ما وقع بعد موت النبي صلىاللهعليهوسلم من الردة لأن الله سبحانه وتعالى إذا ساق شيئا مساق الشرط اقتضى أنه سيقع شيء منه فيكون المعنى : ومن يرتد فيتب عن ردته يتب الله عليه كما وقع لأكثرهم ، وكان التعبير بما قد يفيد الاختصاص إشارة إلى أن عذاب غيرهم عدم بالنسبة إلى عذابهم لأن كفرهم أفحش أنواع الكفر.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩))
ولما بين سبحانه وتعالى المقطوع لهم بالنار بين الذين هم أهل لرجاء الجنة لئلا يزال العبد هاربا من موجبات النار مقبلا على مرجئات الجنة خوفا من أن يقع فيما يسقط رجاءه ـ وقال الحرالي : لما ذكر أمر المتزلزلين ذكر أمر الثابتين ؛ انتهى ـ فقال : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بالإيمان.
ولما كانت الهجرة التي هي فراق المألوف والجهاد الذي هو المخاطرة بالنفس في مفارقة وطن البدن والمال في مفارقة وطن النعمة أعظم الأشياء على النفس بعد مفارقة وطن الدين كرر لهما الموصول إشعارا باستحقاقهما للاصالة في أنفسهما فقال مؤكدا للمعنى بالإخراج في صيغة المفاعلة : (وَالَّذِينَ هاجَرُوا) أي أوقعوا المهاجرة بأن فارقوا بغضا ونفرة تصديقا لإقرارهم بذلك ديارهم ومن خالفهم فيه من أهلهم وأحبابهم. قال الحرالي : من المهاجرة وهو مفاعلة من الهجرة وهو التخلي عما شأنه الاغتباط به لمكان ضرر منه (وَجاهَدُوا) أي أوقعوا المجاهدة ، مفاعلة من الجهد ـ فتحا وضما ، وهو الإبلاغ في الطاقة والمشقة في العمل (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي دين الملك الأعظم كل من خالفهم (أُولئِكَ) العالو الرتبة العظيمو الزلفى والقربة ولما كان أجرهم إنما هو من فضل الله قال : (يَرْجُونَ) من الرجاء وهو ترقب الانتفاع بما تقدم له سبب ما ـ قاله
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
