وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦))
ولما كان المراد بما مضى من قتالهم كف أذاهم بأي فعل كان حققه بقوله : (وَقاتِلُوهُمْ) أي هؤلاء الذين نسبناهم إلى قتالكم وإخراجكم وفتنتكم أعم من أن يكونوا كفارا أو لا (حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي توجد فتنة بأن لا يقدروا أن يؤذوا أحدا من أهل الإسلام ليردوه عن دينه أو يخرجوه من داره أو يخلعوه من ماله أو يغلبوه على حقه ، فقتال كل من وقع منه ذلك كفرا أو بغيا في سبيل الله حتى يفيء إلى أمر الله (وَيَكُونَ الدِّينُ) أي الطاعة والعبادة. ولما كان هذا في أوائل ما بعد الهجرة قبل أن يروا من نصر الله لهم ما يقوي عزائمهم أعراه من التأكيد فقال : (لِلَّهِ) أي الذي لا كفوء له خاصا به بأن يكون أمر المسلمين ظاهرا ، ليس للشيطان فيه نصيب ، لا يقدر أحد من أهل الكفر ولا أهل البغي على التظاهر بأذى أحد منهم ، وذلك بأن لا يبقى مشرك أصلا ولا يبقى كتابي إلا ألزم الصغار بالجزية ، والحكمة في إبقائهم دون المشركين أن لهم كتبا أمهلوا لحرمتها ولينظروا فيها فيقفوا على الحق منها فإنها وإن كانت قد وقع فيها التحريف قد بقي فيها ما يهدي الموفق لأنها لم يعمها التحريف ، وأما أهل الأوثان فليس لهم ما يرشدهم إلى الحق فكان إمهالهم زيادة في شركهم مقطوعا بها من غير فائدة تنتظر. قال الحرالي : ففي طيه إشعار بما وقع وهو واقع وسيقع من قتال طائفة الحق لطائفة البغي سائر اليوم المحمدي بما تخلص من الفتنة ويخلص الدين لله توحيدا ورضى وثباتا على حال السلف الصالح وزمان الخلافة والنبوة ـ انتهى. (فَإِنِ انْتَهَوْا) أي كلفوا أنفسهم الرجوع عما استوجبوا به القتال فقد تركوا الظلم ، والنهي قال الحرالي الحكم المانع من الفعل المترامي إليه بمنزلة أثر العقل المسمى نهى لمنعه عما تهوي إليه النفس مما يستبصر فيه النهى ، قال عليه الصلاة والسّلام : «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى» (١)
__________________
(١) صحيح. أخرجه مسلم ٤٣٢ ح ١٢٣ وأبو داود ٦٧٥ والترمذي ٢٢٨ والدارمي ١ / ٢٩٠ وأبو عوانة ٢ / ٤٢ وأحمد ١ / ٤٧٥ وابن خزيمة ١٥٧٢ وابن حبان ٢١٨٠ والطبراني ١٠٠٤١ والبيهقي ٣ / ٩٦ ـ ٩٧ والبغوي ٨٢١ من طرق كلهم من حديث ابن مسعود ، وتمامه : «ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ولا تختلفوا ، فتختلف قلوبكم ، وإياكم وهيشات الأسواق». هيشات الأسواق : ما يكون فيها من ارتفاع الأصوات ونحو ذلك.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
