وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥))
ولما أعلم سبحانه الملائكة أن الأمر على خلاف ما ظنوا شرع في إقامة الدليل عليه فقال عاطفا على قوله : «قال» : (وَعَلَّمَ) أي لإقامة الدليل على ذلك ، والتعليم تكرار العلم ليثبت لما في جبلة المعلّم من النسيان ، (آدَمَ) من الأدم من الأديم وهو جلدة الأرض التي منها جسمه ، وحظ ما فيه من أديم (١) الأرض هو اسمه الذي أنبأ عنه لفظ آدم ، (الْأَسْماءَ)(٢) أي التي للأشياء (كُلَّها) وهو جمع اسم وهو ما يجمع اشتقاقين من السمة والسمو ؛ فهو بالنظر إلى اللفظ وسم وبالنظر إلى الحظ من ذات الشيء سمو ، وذلك السمو هو مدلول الاسم الذي هو الوسم الذي ترادفه التسمية ـ قاله الحرالي ، وقال في كتاب له في أصول الفقه : الاسم يقال على لفظ التسمية ويقال على حظ ونصيب من ذوات الأشياء ، وتلك هي المعروضة على الملائكة ، واسم التسمية يحاذي به المسمى معلومه من الشيء المسمى الذي هو الاسم المعروض ، وهو عند آدم علم وعند الملائكة ومن لا يعلم حقيقة الاسم المعروض توقيف ونبأ ـ انتهى.
ولما كان العرض على الملائكة بالغا في المراد أشار إلى تعظيمه بحرف التراخي فقال : ثم (عَرَضَهُمْ) أي الأشياء. قال الحرالي : أظهرهم عن جانب وهو العرض والناحية (عَلَى الْمَلائِكَةِ) القائلين لذلك. وقال الحرالي : لما ذكر تعالى مراجعة الملائكة في خلق هذا الخليفة ذكر إبداءه لهم وجه حكمة علية بما أعلى هذا الخليفة من تعليمه إياه حقائق جميع الذوات المشهودة لهم على إحاطتهم بملكوت الله وملكه شهودا فأراهم إحاطة علم آدم بما شهدوا صورة ولم يشهدوا حقيقة مدلول تسميتها ، وعلمه حكمة ما
__________________
(١) ورد في ذلك حديث عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «خلق الله آدم من أديم الأرض كلّها فخرجت ذريته على حسب ذلك فمنهم الأسود والأبيض والأحمر والأصفر ...».
أخرجه أبو داود ٤٩٣ والترمذي ٢٩٥٥ وابن حبان ٦١٦٠ والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٣٨٥ كلّهم من حديث أبي هريرة وقال الترمذي : حسن صحيح ا ه. وصححه الحاكم ٢ / ٢٦١ ، ٢٦٢ ووافقه الذهبي. والأديم : وجه الأرض وما ظهر منها.
(٢) قال النسفي في تفسيره ١ / ٤١ : (الْأَسْماءَ كُلَّها) أي المسميات فحذف المضاف إليه لكونه معلوما مدلولا عليه. بذكر الأسماء إذ الاسم يدل على المسمى ، وعوض منه اللام ، ومعنى تعليمه أسماء المسميات أنه تعالى أراه الأجناس التي خلقها ، وعلمه أن هذا اسمه فرس ، وهذا بعير ، وهذا اسمه كذا ... وعن ابن عباس رضي الله عنهما : «علمه اسم كل شيء حتى القصعة ، والمغرفة».
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
