(وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢))
ولما بين سبحانه مخازيهم حتى ختمها بعظيم ما ارتكبوا من الرسل من القتل المعنوي بالتكذيب والحسي بإزهاق الروح مع العلم بأنهم أتوا بالبينات والآيات المعجزات فأرشد المقام إلى أن التقدير فقالوا للأنبياء لما أتوهم أمورا كثيرة يعجب من صدورها عن عاقل وأتوا في الجواب عن تكذيبهم وقتلهم من التناقضات بما لا يرضاه عالم ولا جاهل عطف عليه أو على (وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ) [البقرة : ٨٠] قوله ـ بيانا لشدة بهتهم وقوة عنادهم : (وَقالُوا) في جواب ما كانوا يلقون إليهم من جواهر العلم التي هي أوضح من الشمس (قُلُوبُنا غُلْفٌ) جمع أغلف وهو المغشى الذكر بالقلفة التي هي جلدته ، كأن الغلفة في طرفي المرء : ذكره وقلبه ، حتى يتم الله كلمته في طرفيه بالختان والإيمان ـ قاله الحرالي. فالمعنى : عليها أغطية فهي لا تفهم ما تقولون. فكان المراد بذلك مع أنهم أعلم الناس أن ما يقولونه ليس بأهل لأن يوجه إليه الفهم ، ولذلك أضرب الله سبحانه عنه بقوله : (بَلْ) أي ليس الأمر كما قالوا من أن هناك غلفا حقيقة بل (لَعَنَهُمُ اللهُ) أي طردهم الملك الأعظم عن قبول ذلك لأنهم ليسوا بأهل للسعادة بعد أن خلقهم على الفطرة الأولى القويمة لا غلف على قلوبهم ، لأن اللعن إبعاد في المعنى والمكانة إلى أن يصير الملعون بمنزلة النعل في أسفل القامة يلاقي به ضرر الموطي ـ قاله الحرالي.
ثم بين علة ذلك بقوله : (بِكُفْرِهِمْ.) قال الحرالي : أعظم الذنوب ما تكون عقوبة الله تعالى عليها الإلزام بذنوب أشد منها ، فأعقب استكبارهم اللعن كما كان في حق إبليس مع آدم عليهالسلام ، فانتظم صدر هذه السورة إظهار الشيطنتين من الجن والإنس الذي انختم به القرآن في قوله : (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [الناس : ٦] ليتصل طرفاه ، فيكون
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
