في أوائل فهم الفاهمين بدو أمره وخطابه في محل ما من السماء والأرض أو العرش أو الكرسي أو ما شاء من خلقه ؛ فهو تعالى يجل أن يحجبه كون ، فحيث ما بدأ خطابه كفاحا لا بواسطة فهناك هو (وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ) [مريم : ٥٢] إلى : (إِنِّي أَنَا اللهُ) [طه : ١٤] وفي الكتاب الأول : جاء الله من سيناء ـ انتهى. وتمامه : وشرق من جبل ساعير وظهر لنا من جبال فاران ؛ والمراد بالأول نبوة موسى عليه الصلاة والسّلام وهو واضح ، وبالثاني نبوة عيسى عليه الصلاة والسّلام ، فإن جبل ساعير هو جبل الجليل وهو الذي بين طبرية ومرج بني عامر ، وبالثالث نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم فإن فاران هي مكة المشرفة.
(سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢) كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (٢١٤))
ولما كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور مجد الله في الغمام لما رأى أسلافهم منه عند خروجهم من مصر وفي جبل الطور وقبة الزمان وما في ذلك على ما نقل إليهم من وفور الهيبة وتعاظم الجلال قال تعالى : جوابا لمن كأنه قال : كيف يكون هذا؟ (سَلْ) بنقل حركة العين إلى الفاء فاستغنى عن همزة الوصل (بَنِي إِسْرائِيلَ) أي الذين هم أحسد الناس للعرب ثم استفهم أو استأنف الإخبار (كَمْ آتَيْناهُمْ) من ذلك ومن غيره (مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) بواسطة أنبيائهم فإنهم لا يقدرون على إنكار ذلك ، وسكوتهم على سماعه منك إقرار منهم. وقال الحرالي : ولما كان هذا الذي أنذروا به أمرا مجملا أحيلوا في تفاصيل الوقائع وتخصيص الملاحم ووقوع الأشباه والنظائر على ما تقدم ووقع مثاله في بني إسرائيل لتكرار ما وقع فيهم من هذه الأمة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة (١) فقال :
__________________
(١) حسن. يشير المصنف لما أخرجه أحمد ٤ / ١٢٥ من حديث شداد بن أوس : ليحملنّ شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلكم أهل الكتاب حذو القذّة بالقذّة ا ه. والقذى : ما يسقط في العين ، والشراب. وفي الباب من حديث أبي سعيد ، أخرجه البخاري ٣٤٥٦ و ٧٣٢٠ ومسلم ٢٦٦٩
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
