لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط ، وقال القاضي أبو بكر بن العربي (١) في «سراج المريدين» : ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى يكوّن كالكلمة الواحدة متسعة المعاني منتظمة المباني علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة ، ثم فتح الله عزوجل لنا فيه ، فلمّا لم نجد له حملة ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه. ونقل الزركشي عن سلطان العلماء الشيخ عز الدين بن عبد السّلام أنه قال ما حاصله : المناسبة علم حسن لكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره ، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط ، ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عن مثله حسن الحديث فضلا عن أحسنه ، فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة شرعت لأسباب مختلفة ، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض ، قال الزركشي : وقال بعض مشايخنا المحققين : قد وهم من قال : لا يطلب للآي الكريمة مناسبة ، لأنها على حسب الوقائع المتفرقة ، وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا ، وعلى حسب الحكمة ترتيبا وتأصيلا ، مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف كما أنزل جملة إلى بيت العزة ، ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر ؛ والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها تكملة لما قبلها أو مستقلة ، ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ، ففي ذلك علم جم. انتهى. قلت : والشيخ المشار إليه هو العارف ولي الله محمد بن أحمد الملوي المنفلوطي (٢) الشافعي ذكر ذلك في كلام مفرد على قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ) [الأنعام : ١٦٥] (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) [القصص : ٥] ونقل الإمام شمس الدين محمود الأصفهاني (٣) في تفسير قوله تعالى (آمَنَ الرَّسُولُ) [البقرة : ٢٨٥] عن الإمام الرازي أنه قال : ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة الفاظه وشرف معانيه فهو أيضا بسبب ترتيبه ونظم آياته ، ولعل الذين قالوا : إنه معجز بسبب أسلوبه ، أرادوا ذلك ، إلا أني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير متنبهين لهذه الأسرار وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل :
__________________
(١) هو الإمام الحافظ القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد الإشبيلي ولد سنة : ٤٦٨ جمع وصنف ، وذاع صيته توفي سنة : ٥٤٣ بفاس بالمغرب.
(٢) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الشافعي المعروف بابن المنفلوطي ولد سنة : ٧١٣ برع في التفسير ، والفقه ، والأصول ، والتصوف كثير العبادة توفي سنة ٧٧٤.
(٣) هو الإمام المفسر محمود بن عبد الرحمن الشافعي ، من تصانيفه تفسير الأصفهاني المشهور في مجلدات ، توفي سنة : ٧٤٩.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
