بين ولايته بقوله : (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ) أي المعنوية جمع ظلمة وهو ما يطمس الباديات حسا أو معنى ، وجمعها لأن طرق الضلال كثيرة فإن الكفر أنواع (إِلَى النُّورِ) أي المعنوي وهو ما يظهر الباديات حسا أو معنى ـ قاله الحرالي ، ووحده لأن الصراط المستقيم واحد (وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) [الأنعام : ١٥٣] ومن المحامل الحسنة أن يشار بالجمع إلى ما ينشأ من الجهل عن المشاعر التي أخبر بالختم عليها ، فصار البصر عريا عن الاعتبار ، والسمع خاليا عن الفهم والاستبصار ، والقلب معرضا عن التدبر والافتكار ، وبالوحدة في النور إلى صلاح القلب فإنه كفيل بجلب كل سار ودفع كل ضار ، والنور الذي هو العقل والفطرة الأولى ذو جهة واحدة وهي القوم ، والظلمة الناشئة عن النفس ذات جهات هي في غاية الاختلاف.
ولما ذكر عبّاده الخلص ذكر عبّاد الشهوات فقال : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) أي ستروا ما دلت عليه أدلة العقول أولا والنقول ثانيا بشهوات النفوس (أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) من شهواتهم وما أدت إليه من اتباع كل ما أطغى من الشياطين والعكوف على الأصنام وغير ذلك ، ثم بين استيلاءهم عليهم بقوله : (يُخْرِجُونَهُمْ) وإسناده إلى ضمير الجمع يؤيد أن جمع الظلمات لكثرة أنواع الكفر (مِنَ النُّورِ) أي الفطرى (إِلَى الظُّلُماتِ) قال الحرالي : وفيه بيان استواء جميع الخلق في حقيقة النور الأول إلى الروح المجندة إلى الفطرة المستوية «كل مولود يولد على الفطرة» (١) انتهى.
ولما ذكر استيلاء الشهوات عليهم الداعي إليها الطيش والخفة الناشىء عن عنصر النار التي هي شعبة من الشيطان بين أن أجزاءهم من جنس مرتكبهم فقال : (أُولئِكَ) أي الحالون في محل البعد والبغض (أَصْحابُ النَّارِ) قال الحرالي : الذين اتبعوها من حيث لم يشعروا من حيث إن الصاحب من اتبع مصحوبه ـ انتهى. ولما علم من ذكر الصحبة دوامهم فيها صرح به تأكيدا بقوله مبينا اختصاصهم بها : (يُخْرِجُهُمْ) أي خاصة (فِيها خالِدُونَ) إلى ما لا آخر له. قال الحرالي : وجعل الخلود وصفا لهم إشعارا بأنهم فيها وهم في دنياهم ـ انتهى.
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ١٣٥٨ ، ١٣٥٩ ، ٦٥٩٩ ، ٤٧٧٥ ومسلم ٢٦٥٨ وأبو داود ٤٧٠٥ ، ٤٧٠٦ والترمذي ٣١٥٠ وابن حبان ١٢٨ ، ١٢٩ ، ١٣٠ وعبد الرزاق ٢٠٠٨٧ والطحاوي ٢ / ١٦٢ وأحمد ٢ / ٢٨٢ ، ٢٥٣ ، ٤٨١ ، ٣٩٣ كلهم من حديث أبي هريرة. بأتم منه. وورد من حديث الأسود بن سريع أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ١ / ٤٤٥ والدارمي ٢ / ٢٢٣ وكذا النسائي في الكبرى ٨٦١٦ والحاكم ٢ / ١٢٣ وابن حبان ١٣٢ والطبراني ٨٢٦ ، ٨٢٨ و ٨٢٩ ، ٨٣٠ وعبد الرزاق ٢٠٠٩٠ وابن أبي شيبة ١٢ / ٣٨٦ والطحاوي في المشكل ٢ / ١٦٣ والبيهقي ٩ / ٧٧ ، ٧٨ ، ١٣٠ وأحمد ٣ / ٤٣٥ ، ٤ / ٢٤ وصدره : «أو ليس خياركم أولاد المشركين ، ما من مولود إلا على ...»
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
