ولما ذكر ما له سبحانه وتعالى من الإحاطة والعظمة وأتبعه أمر الإيمان وتوليه حزبه وأمر الكفران وخذلانه أهله أخذ يدل على ذلك بقصة المحاج للخليل والمار على القرية مذكرا بقصة الذين قال لهم موتوا ثم أحياهم في سياق التعجيب من تلك الجرأة ـ قال الحرالي : ولما كان ما أظهره الحق في آية عظمته وما اتصل بها في خاصة عباده اختص هذا الخطاب بالنبي صلىاللهعليهوسلم لعلو مفهوم مغزاه عمن دونه ، انتهى ـ فقال تعالى : (أَلَمْ تَرَ) أي تعلم بما نخبرك به علما هو عندك كالمشاهدة لما لك من كمال البصيرة وبما أودعناه فيك من المعاني المنيرة. ولما كان هذا المحاج بعيدا من الصواب كثيف الحجاب أشار إلى بعده بحرف الغاية فقال : (إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ) أي الذي هو أبو العرب وهم أحق الناس بالاقتداء به (فِي رَبِّهِ) الضمير يصح أن يعود على كل منهما أي فيما يختص به خالقه المربي له المحسن إليه بعد وضوح هذه الأدلة وقيام هذه البراهين إشارة إلى أنه سبحانه أوضح على لسان كل نبي أمره وبين عظمته وقدره مع أنه ركز ذلك في جميع الفطر وقادها إلى بحور جلاله بأدنى نظر فكأن نمرود المحاج للخليل ممن أخرجته الشياطين من النور إلى الظلمات ، ولما كان ذلك أمرا باهرا معجبا بين أن علته الكبر الذي أشقى إبليس فقال : (أَنْ) أي لأجل أن (آتاهُ اللهُ) أي الملك الأعلى بفيض فضله (الْمُلْكَ) الفاني في الدنيا الدنيئة ، فجعل موضع ما يجب عليه من شكر من ملكه ذلك محاجته فيه وكبره رغم عليه ، وعرفه إشارة إلى كماله بالنسبة إلى الآدميين بالحكم على جميع الأرض. قال الحرالي : وفي إشعاره أن الملك فتنة وبلاء على من أوتيه ـ انتهى. فتكبر بما خوله الله فيه على عباد الله وهم يطيعونه لما مكّن الله له من الأسباب إلى أن رسخت قدمه في الكبر المختص بالملك الأعظم مالك الملك ومبيد الملوك فظن جهلا أنه أهل له.
ولما أخبر سبحانه وتعالى بمحاجته بين ما هي تقريرا لآية (فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ) [البقرة : ٢٤٣] دلالة على البعث ليوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة فقال : (إِذْ) أي حاجه حين (قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ) أي الذي أحسن إليّ بخلقي وإدامة الهداية لي (الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي وحده ، وهذه العبارة تدل على تقدم كلام في هذا وادعاء أحد لمشاركة في هذه الصفة.
ولما كان كأنه قيل : هذا أمر ظاهر مجمع عليه فما ذا الذي يحاج المحاج فيه؟ أجيب بقوله : (قالَ) أي ذلك المحاج بجرأة وعدم تأمل لما ألفه من ذل الناس له وطواعيتهم لجبروته (أَنَا) أي أيضا (أُحْيِي وَأُمِيتُ) بأن أمنّ على من استحق القتل وأقتل من لا يستحق القتل.
فلما رأى إبراهيم عليه الصلاة والسّلام أنه قد اجترأ على عظيم وأن محاجته في
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
