لما رأى بنوره من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وداوم على ذلك بما أفادته صيغة المضارع من يكفر ويؤمن (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ) على بصيرة منه (بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى) أي التي لا يقع شك في أنها أوثق الأسباب في نجاته بما ألقى بيده واستسلم لربه (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ) [الحج : ٣١] ، والعروة ما تشد به العياب ونحوها بتداخلها بعضها في بعض دخولا لا ينفصم بعضه من بعض إلا بفصم طرفه فإذا انفصمت منه عروة انفصم جميعه ، والوثقى صيغة فعلى للمبالغة من الثقة بشدة ما شأنه أن يخاف وهنه ، ثم بين وثاقتها بقوله : (لَا انْفِصامَ لَها) أي لا مطاوعة في حل ولا صدع ولا ذهاب. قال ابن القطاع : فصمت الشيء صدعته ، والعقدة حللتها ، والشيء عنه ذهب. وقال الحرالي : من الفصم وهو خروج العرى بعضها من بعض ، أي فهذه العروة لا انحلال لها أصلا ، وهو تمثيل للمعلوم بالنظر والاحتجاج بالمشاهد المحسوس ليتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده فيه ويجل اغتباطه به ، فعلم من هذا أنه لم يبق عائق عن الدخول في هذا الدين إلا القضاء والقدر ، فمن سبقت له السعادة قيض الله سبحانه وتعالى له من الأسباب ما يخرجه به من الظلمات إلى النور ، ومن غلبت عليه الشقاوة سلط عليه الشياطين فأخرجته من نور الفطرة إلى ظلمات الكفر والحيرة.
ولما كان كل من الإيمان والكفر المتقدمين قولا وفعلا واعتقادا قال مرغبا فيهما ومرهبا من تركهما : (وَاللهُ) الذي له صفات الكمال (سَمِيعٌ) أي لما يقال مما يدل على الإيمان (عَلِيمٌ) أي بما يفعل أو يضمر من الكفر والطغيان ومجاز عليه ، ولعل في الآية التفاتا إلى ما ذكر أول السورة في الكفار من أنه سواء عليهم الإنذار وتركه وإلى المنافقين وتقبيح ما هم عليه مما هو في غاية المخالفة لما صارت أدلته أوضح من الشمس وهي مشعرة بالإذن في الإعراض عن المنافقين ، ولما قرر ذلك وأرشد السياق إلى شيء اقتضت البلاغة طيه إرشادا إلى البعد منه والهرب عنه لبشاعته وسوء مغبته وهو ومن يؤمن بالطاغوت ويكفر بالله فلا يتمسك له والله يهويه إلى الجحيم ، كأنه قيل : فمن يخلص النفس من ظلمات الهوى والشهوة ووساوس الشيطان؟ فقال مستأنفا : (اللهُ) أي بما له من العظمة والأسماء الحسنى (وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)(١) أي يتولى مصالحهم ، ولذلك
__________________
(١) قال بعض أهل العلم في معنى هذه الآية : إن الإيمان نور واحد في طبيعته وحقيقته ، والكفر ظلمات متعددة متنوعة ، فالإيمان نور يشرق به كيان المسلم المؤمن أول ما تشرق به روحه ، فتشف وتصفو وتشع ، فينكشف له حقائق الأشياء ، فيراها بغير غبش ، وأما ضلال الكفر ، فمتنوعة ظلمة الهوى والشهوة والكبر والطغيان والرياء والنفاق والطمع وغير ذلك ، وكذلك التلقي من غير الله ، والاحتكام لغير منهج الله من أعتى الظلم ، وبالتالي هو أعلى درجات الضلال ا ه.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
