خمسون كلمة على عدد الصلوات المأمور بها أولا في تلك الحضرة السماء حضرة العرش والكرسي فوق سدرة المنتهى ، وبعدد ما استقرت عليه من رتبة الأجر آخرا ، فكأنها مراقي لروح قارئها إلى ذلك المحل الأسمى الذي هو آتيه الذي تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، ولعل هذا سر ما ثبت من أنه لا يقرب من يقرؤها عند النوم شيطان ، لأن من كان في حضرة الرحمن عال عن وساوس الشيطان ـ والله سبحانه وتعالى الموفق.
ولما اتضحت الدلائل لكل عالم وجاهل صار الدين إلى حد لا يحتاج فيه منصف لنفسه إلى إكراه فيه فقال : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) وقال الحرالي : لما نقل سبحانه وتعالى رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر والنهي والحدود وما ينبني عليه المقام به دين القيمة الذي أخفى لهم أمر العظمة والجبروت الجابر لأهل الملكوت والملك فيما هم فيه مصرفون إلى علو رتبة دين الله المرضي الذي لا لبس فيه ولا حجاب عليه ولا عوج له ، وهو اطلاعه سبحانه وتعالى عبده على قيوميته الظاهرة بكل باد وفي كل باد وعلى كل باد وأظهر من كل باد وعظمته الخفية التي لا يشير إليها اسم ولا يجوزها رسم وهي مداد كل مداد بين سبحانه وتعالى وأعلن بوضع الإكراه الخفي موقعه في دين القيمة من حيث ما فيه من حمل الأنفس على كرهها فيما كتب عليها مما هو علم عقابها وآية عذابها ، فذهب بالاطلاع على أمر الله في قيوميته وعظمته كره النفس بشهودها جميع ما تجري فيه لها ما عليها. فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات بما استشعرته قلوبهم من ماء التوحيد الجاري تحت مختلفات أثمار أعمالهم فعاد حلوه ومره بذلك التوحيد حلوا ، كما يقال في الكبريت الأحمر الذي يقلب أعيان الأشياء الدنية إلى حال أرفعها ـ انتهى.
ثم علل سبحانه وتعالى انتفاء الإكراه عنه بقوله : (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ) قال الحرالي : وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه بحسب ما يثبت ويدوم (مِنَ الْغَيِ) وهو سوء التصرف في الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته ـ انتهى. أي فصار كل ذي لب يعرف أن الإسلام خير كله وغيره شر كله ، لما تبين من الدلائل وصار بحيث يبادر كل من أراد نفع نفسه إليه ويخضع أجبر الجبابرة لديه فكأنه لقوة ظهوره وغلبة نوره قد انتفى عنه الإكراه بحذافيره ، لأن الإكراه الحمل على ما لم يظهر فيه وجه المصلحة فلم يبق منه مانع إلّا حظ النفس الخبيث في شهواتها البهيمية والشيطانية (فَمَنْ) أي فكان ذلك سببا لأنه من (يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) وهو نفسه وما دعت إليه ومالت بطبعها الرديء إليه. وقال الحرالي : وهو ما أفحش في الإخراج عن الحد الموقف عن الهلكة صيغة مبالغة وزيادة انتهاء مما منه الطغيان ـ انتهى. (وَيُؤْمِنْ بِاللهِ) أي الملك الأعلى ميلا مع العقل الذي هو خير كله
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
