وهو السكب المفيض على كلية المسكوب عليه (عَلَيْنا صَبْراً) حتى نبلغ من الضرب ما نحب في مثل هذا الموطن (وَثَبِّتْ) من التثبيت تفعيل من الثبات وهو التمكن في الموضع الذي شأنه الاستزلال (أَقْدامَنا) جمع قدم وهو ما يقوم عليه الشيء ويعتمده ، أي بتقوية قلوبنا حتى لا نفر وتكون ضرباتنا منكبة موجعة وأشاروا بقولهم (وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) موضع قولهم : عليهم ، إلى أنهم إنما يقاتلونهم لتضييعهم حقه سبحانه وتعالى لا لحظ من حظوظ النفس كما كان من معظمهم أول ما سألوا وإلى أنهم أقوياء فلا بد لهم من معونته عليهم سبحانه وتعالى ، ثم رتب على ذلك النتيجة حثا على الاقتداء بهم لنيل ما نالوا فقال عاطفا على ما تقديره : فأجاب الله سبحانه وتعالى دعاءهم : (فَهَزَمُوهُمْ) مما منه الهزيمة وهو فرار من شأنه الثبات ـ قاله الحرالي ، وقال : ولم يكن فهزمهم الله ، كما لهذه الأمة في (وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ) [الأنفال : ١٧] انتهى. (بِإِذْنِ اللهِ) أي الذي له الأمر كله. ثم بين ما خص به المتولي لعظم الأمر بتعريض نفسه للتلف في ذات الله سبحانه وتعالى من الخلال الشريفة الموجبة لكمال الحياة الموصلة إلى البقاء السرمدي فقال : (وَقَتَلَ داوُدُ) وكان في جيش طالوت (جالُوتَ) قال الحرالي : مناظرة قوله (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى) [الأنفال : ١٧] وكان فضل الله عليك عظيما ـ انتهى. وفي الزبور في المزمور الحادي والخمسين بعد المائة وهو آخره : صغيرا كنت في إخوتي ، حدثا في بيت أبي ، راعيا غنمه ، يداي صنعتا الأرغن ، وأصابعي عملت القيثار (١) ، من الآن اختارني الرب إلهي واستجاب لي وأرسل ملاكه وأخذني من غنم أبي ومسحني بدهن مسحته إخوتي حسان وأكرمني ولم يسر بهم الرب ، خرجت ملتقيا الفلسطيني الجبار الغريب فدعا علي بأوثانه فرميته بثلاثة أحجار في جبهته بقوة الرب فصرعته واستللت سيفه وقطعت به رأسه ونزعت العار عن بني إسرائيل (٢). (وَآتاهُ اللهُ) بجلاله وعظمته (الْمُلْكَ) قال الحرالي : كان داود عليه الصلاة والسّلام عندهم من سبط الملك فاجتمعت له المزيتان من استحقاق البيت وظهور الآية على يديه بقتل جالوت ، قال تعالى : (وَالْحِكْمَةَ) تخليصا للملك مما يلحقه بفقد الحكمة من اعتداء الحدود انتهى. فكان داود عليه الصلاة والسّلام أول من جمع له بين الملك والنبوة (وَعَلَّمَهُ) أي زيادة مما يحتاجان إليه (مِمَّا يَشاءُ) من صنعة الدروع وكلام الطير وغير ذلك.
__________________
(١) صوابه : القيتار. كما في النسخة المصرية وغيرها. والقتر : نصل لسهام الهدف. ورؤوس مسامير الدروع.
(٢) هذا الخبر. يستأنس به ولا حجة فيه لأنه من الزبور ، وهو محرف. والحجة ما ثبت في القرآن ، والأحاديث الثابتة.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
