جاوَزَهُ) أي النهر من غير شرب ، من المجاوزة مفاعلة من الجواز وهو العبور من عدوة دنيا إلى عدوة قصوى (هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بالإيمان وجاوزوا (مَعَهُ) وتراءت الفئتان (قالُوا) أي معظمهم. قال الحرالي : رد الضمير مردا عاما إيذانا بكثرة الذين اغترفوا وقلة الذين لم يطعموا كما آذن ضمير شربوا بكثرة الذين شربوا منه ـ انتهى. (لا طاقَةَ) مما منه الطوق وهو ما استقل به الفاعل ولم يعجزه (لَنَا الْيَوْمَ) أي على ما نحن فيه من الحال (بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ) لما هم فيه من القوة والكثرة. قال الحرالي : ففيه من نحو قولهم (وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ) اعتمادا على أن النصر بعدة مال أو قوة ، وليس إلا بنصر الله ، ثم قال : فإذا نوظر هذا الإنباء منهم والطلب أي كما يأتي في (رَبَّنا أَفْرِغْ) بما تولى الله من أمر هذه الأمة في جيشهم الممثول لهذا الجيش في سورة الأنفال من نحو قوله (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ) [الأنفال : ١١] ـ الآيات ، علم عظيم فضل الله على هذه الأمة واستشعر بما يكون لها في خاتمتها مما هو أعظم نبأ وأكمل عيانا فلله الحمد على ما أعظم من فضله ولطفه ـ انتهى.
ولما أخبر عنهم بهذا القول نبه على أنه لا ينبغي أن يصدر ممن يظن أن أجله مقدر لا يزيد بالجبن والإحجام ولا ينقص بالجرأة والإقدام وأنه يلقى الله فيجازيه على عمله وأن النصر من الله لا بالقوة والعدد فقال : (قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ) أي يعلمون ولكنه عبر بالظن لما ذكر (أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ) أي الذي له الجلال والإكرام إشارة إلى أنه يكفي في الخوف من الله والرجاء له الظن لأنه يوجب فرار العقل مما يظن أنه يكرهه سبحانه وتعالى إنقاذا لنفسه من الهلاك بذلك كما أسرف هؤلاء في الشرب لظن الهلاك بعدمه ورجعوا لظن الهلاك باللقاء ؛ ويجوز أن يكون الظن على بابه ويأول اللقاء بالحالة الحسنة (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ) كما كان في هذه الأمة في يوم بدر (غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً) ثم نبه على أن سبب النصر الطاعة والذكر لله بقوله : (بِإِذْنِ اللهِ) أي بتمكين الذي لا كفوء له ، فلا ينبغي لمن علم ذلك أن يفتر عن ذكره ويرضى بقضائه. ثم بين أن ملاك ذلك كله الصبر بقوله : (وَاللهُ) أي الملك الأعظم (مَعَ الصَّابِرِينَ) ولا يخذل من كان معه.
ثم بين أنهم صدقوا قولهم قبل المباشرة بالفعل عندها فقال عاطفا على ما تقديره : فلما قالوا لهم ذلك جمع الله كلمتهم فاعتمدوا عليه وبرزوا للقتال بين يديه : (وَلَمَّا بَرَزُوا) وهم على ما هم عليه من الضعف والقلة ، والبروز هو الخروج عن كل شيء يوارى في براز من الأرض وهو الذي لا يكون فيه ما يتوارى فيه عن عين الناظر (لِجالُوتَ) اسم ملك من ملوك الكنعانيين كان بالشام في زمن بني إسرائيل (وَجُنُودِهِ) على ما هم عليه من القوة والكثرة والجرأة بالتعود بالنصر (قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ) من الإفراغ
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
