ولما بين سبحانه وتعالى هذه الواقعة على طولها هذا البيان الذي يعجز عنه الإنس والجان بين حكمة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل ما هو أعم من ذلك من تسليط بعض الناس على بعض بسبب أنه جبل البشر على خلائق موجبة للتجبر وطلب التفرد بالعلو المفضي إلى الاختلاف فقال ـ بانيا له على ما تقديره : فدفع الله بذلك عن بني إسرائيل ما كان ابتلاهم به ـ : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ) المحيط بالحكمة والقدرة بقوته وقدرته (النَّاسَ) وقرىء : دفاع. قال الحرالي : فعال من اثنين وما يقع من أحدهما دفع وهو رد الشيء بغلبة وقهر عن وجهته التي هو منبعث إليها بأشد منته ، وهو أبلغ من الأول إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى يفعل في ذلك فعل المبالغ.
ولما أثبت سبحانه وتعالى أن الفعل له خلقا وإيجادا بيّن أنه لعباده كسبا ومباشرة فقال : (بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) فتارة ينصر قويهم على ضعيفهم كما هو مقتضى القياس ، وتارة ينصر ضعيفهم ـ كما فعل في قصة طالوت ـ على قويهم حتى لا يزال ما أقام بينهم من سبب الحفظ بهيبة بعضهم لبعض قائما (لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) بأكل القوي الضعيف حتى لا يبقى أحد (وَلكِنَّ اللهَ) تعالى بعظمته وجلاله وعزته وكماله يكف بعض الناس ببعض ويولي بعض الظالمين بعضا وقد يؤيد الدين بالرجل الفاجر على نظام دبّره وقانون أحكمه في الأزل يكون سببا لكف القوي عن الضعيف إبقاء لهذا الوجود على هذا النظام إلى الحد الذي حده ثم يزيل الشحناء على زمن عيسى عليه الصلاة والسّلام ليتم العلم بكمال قدرته واختياره وذلك من فضله على عباده وهو (ذُو فَضْلٍ) عظيم جدا (عَلَى الْعالَمِينَ) أي كلهم أولا بالإيجاد وثانيا بالدفاع فهو يكف من ظلم الظلمة إما بعضهم ببعض أو بالصالحين وقليل ما هم ويسبغ عليهم غير ذلك من أثواب نعمه ظاهرة وباطنة ، ومما يشتد اتصاله بهذه القصة ما أسنده الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الكنى من تاريخ دمشق في ترجمة أبي عمرو بن العلاء عن الأصمعي قال : أنشدنا أبو عمرو بن العلاء قال : سمعت أعرابيا ينشد وقد كنت خرجت إلى ظاهر البصرة متفرجا مما نالني من طلب الحجاج واستخفائي منه :
|
صبر النفس عند كل ملمّ |
|
إن في الصبر حيلة المحتال |
|
لا تضيقن في الأمور فقد |
|
يكشف لأواؤها بغير احتيال |
|
ربما تجزع النفوس من |
|
الأمر له فرجة كحل العقال |
|
قد يصاب الجبان في آخر |
|
الصفّ وينجو مقارع الأبطال |
فقلت : ما وراءك يا أعرابي؟ فقال : مات الحجاج ، فلم أدر بأيهما أفرح بموت الحجاج أو بقوله : له فرجة! لأني كنت أطلب شاهدا لاختياري القراءة في سورة البقرة
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
