لاشتمال اليدين على جانبي الخير والشر ـ انتهى. فعرض لهم النهر كما أخبرهم به (فَشَرِبُوا مِنْهُ) مجاوزين حد الاقتصاد (إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ) فأطاعوا فأرواهم الله وقوى قلوبهم ، ومن عصى في شربه غلبه العطش وضعف عن اللقاء فبقي على شاطىء النهر. قال الحرالي : وفيما يذكر أنه قرىء بالرفع وهو إخراج لهم من الشاربين بالاتباع كأن الكلام مبني عليه حيث صار تابعا وإعرابه مما أهمله النحاة فلم يحكموه وحكمه أن ما بني على إخراجه اتبع وما لم يبن على إخراجه وكأنه إنما انثنى إليه بعد مضاء الكلام الأول قطع ونصب ـ انتهى. وكان المعنى في النصب أنه لما استقر الفعل للكل رجع الاستثناء إلى البعض ، وفي الاتباع نوى الاستثناء من الأول فصار كالمفرغ وهذه القراءة عزاها الأهوازي في كتاب الشواذ إلى الأعمش وعزاها السمين في إعرابه إلى عبد الله وأبيّ رضي الله تعالى عنهما ، وعقد سيبويه رحمهالله تعالى في نحو نصف كتابه لاتباع مثل هذا بابا ترجمه بقوله : باب ما يكون فيه إلّا وما بعده وصفا بمنزلة غير ومثل ، ودل عليه بأبيات كثيرة منها :
|
وكل أخ مفارقه أخوه |
|
لعمر أبيك إلا الفرقدان (١) |
قال كأنه قال : وكل أخ غير الفرقدين ، وسوى بين هذا وبين آية (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) [النساء : ٩٥] بالرفع و (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة : ٧] ، وجوز في ما قام القوم إلا زيد ، ـ بالرفع البدل والصفة ، قال الرضي (٢) تمسكا بقوله : وكل أخ ـ البيت ، وقوله صلىاللهعليهوسلم : الناس كلهم هلكى إلا العالمون ، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون ، والمخلصون على خطر عظيم (٣). وقال السمين : والفرق بين الوصف بإلّا والوصف بغيرها أن لا يوصف بها المعارف والنكرات والظاهر والمضمر ، وقال بعضهم : لا يوصف بها إلا النكرة والمعرفة بلام الجنس فإنه في قوة النكرة.
ولما ذكر فتنتهم بالنهر أتبعه فتنة اللقاء ببحر الجيش وما فيه من عظيم الخطر المزلزل للقلوب حثا على سؤال العافية وتعريفا بعظيم رتبتها كما قال صلىاللهعليهوسلم يوم عرض نفسه الشريفة على أهل الطائف ومسه منهم من عظيم الأذى ما مسه : إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي (٤)! فقال سبحانه وتعالى : (فَلَمَّا
__________________
(١) الفرقد : ولد البقرة. والفرقدان : نجمان قريبان من القطب.
(٢) هو الشريف الرضي الشاعر المشهور.
(٣) لا أصل له. ذكره العجلوني في كشف الخفاء ٢٧٩٦ وقال : قال الصغاني هذا حديث مفترى.
(٤) هذا الخبر. ذكره ابن هشام في السيرة ٢ / ٣٢ نقلا عن ابن إسحاق. في باب سعي النبي صلىاللهعليهوسلم إلى الطائف.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
