عن معنى إفرادها أخذة ما أخذت من قليل أو كثير ، وفي الضم إعلام بملئها ، والغرف بالفتح الأخذ بكلية اليد ، والغرفة الفعلة الواحدة منه ، وبالضم اسم ما حوته الغرفة ، فكان في المغترفين من استوفى الغرفة ومنهم من لم يستوف ـ قاله الحرالي وقال : فكان فيه إيذان بتصنيفهم ثلاثة أصناف : من لم يطعمه البتة وأولئك الذين ثبتوا وظنوا أنهم ملاقو الله ، ومن شرب منهم وأولئك الذين افتتنوا وانقطعوا عن الجهاد في سبيل الله ومن اغترف غرفة وهم الذين ثبتوا وتزلزلوا حتى ثبتهم الذين لم يطعموا. ولما كان قصص بني إسرائيل مثالا لهذه الأمة كان مبتلى هذه الأمة بالنهر ابتلاهم بنهر الدنيا الجاري خلالها ، فكانت جيوشهم بحكم هذا الإيحاء الاعتباري إذا مروا بنهر أموال الناس وبلادهم وزروعهم وأقطارهم في سبيلهم إلى غزوهم ، فمن أصاب من أموال الناس ما لم ينله الإذن من الله انقطع عن ذلك الجيش ولو حضره. فما كان في بني إسرائيل عيانا يكون وقوعه في هذه الأمة استبصارا سترة لها وفضيحة لأولئك ، ومن لم يصب منها شيئا بتا كان أهل ثبت ذلك الجيش الثابت المثبت ، قيل لعلي رضي الله تعالى عنه : يا أمير المؤمنين! ما بال فرسك لم يكب بك قط؟ قال : ما وطئت به زرع مسلم قط. ومن أصاب ما له فيه ضرورة من منزل ينزله أو غلبة عادة تقع منه ويوده أن لا يقع فهؤلاء يقبلون التثبيت من الذين تورعوا كل الورع ، فملاك هذا الدين الزهد في القلب والورع في التناول باليد ، قال صلىاللهعليهوسلم : «إنما تنصرون بضعفائكم» (١) وفي إلاحة هذا التمثيل والاعتبار أن أعظم الجيوش جيش يكون فيه من أهل الورع بعدد الثابتين من أصحاب طالوت الذين بعددهم كان أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم يوم بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر (٢) عدد المرسلين (٣) من كثرة عدد النبيين ، قال : وفي إفراد اليد إيذان بأنها غرفة اليد اليمنى لأنها اليد الخاصة للتعريف ، ففي اعتباره أن الأخذ من الدنيا إنما يكون بيد لا بيدين
__________________
(١) صحيح. أخرجه النسائي ٦ / ٤٥ وفي الكبرى ٤٣٨٧ من حديث سعد بن أبي وقاص.
وأخرجه في الكبرى ٤٣٨٨ وأحمد ٥ / ١٩٨ كلاهما من حديث أبي الدرداء : «ابغوني الضعفاء ، فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم.
وهو عند البخاري ٢٨٩٦ من حديث سعد بلفظ : هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم.
(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٣٩٥٧ و ٣٩٥٨ و ٣٩٥٩ والطبري ٥٧٢٦ و ٥٧٢٧ و ٥٧٢٨ و ٥٧٢٩ و ٥٧٣٠ من طرق كلاهما عن البراء بن عازب قال : «كنا نتحدث أن أصحاب بدر ثلاثمائة ، وبضعة عشر بعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ، وما جاوز معه إلا مؤمن».
ورواية لابن جرير : «ثلاثمائة وثلاثة عشر».
(٣) يشير المصنف لما أخرجه أحمد ٥ / ١٧٨ من حديث أبي ذر في خبر طويل وفيه : «قلت : يا رسول الله. كم المرسلون؟ قال : ثلاثمائة ، وبضعة عشر جمّ غفير» الحديث. وإسناده غير قوي فيه المسعودي اختلط بآخره ، وفيه عبيد بن الخشخاش لين الحديث كما في التقريب. والله أعلم.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
