الشأن (لَآيَةً) أي باهرة (لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فإن المواعظ لا تنفع غيرهم. قال الحرالي : ولما ضعف قبولهم عن النظر والاستبصار صار حالهم في صورة الضعف الذي يقال فيه : إن كان كذا ، فكان في إشعاره خللهم وفتنتهم إلا قليلا ـ انتهى. وفي هذه القصة توطئة لغزوة بدر وتدريب لمن كتب عليهم القتال وهو كره لهم وتأديب لهم وتهذيب وإشارة عظيمة واضحة إلى خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه بما دل عليها من أمر استخلافه في الإمامة في الصلاة التي هي خلاصة هذا الدين كما أن ما في تابوت الشهادة كان خلاصة ذلك الدين ، وتحذير لمن لعله يخالف فيها أو يقول إنه ليس من بني هاشم ولا عبد مناف الذين هم بيت الإمامة والرئاسة ونحو ذلك مما حمى الله المؤمنين منه ، كما قال النبي صلىاللهعليهوسلم : «يأبى الله ذلك والمؤمنون» (١) وفي توجيه الخطاب إلى النبي صلىاللهعليهوسلم إعلام بأن أول مقصود به الأقرب منه صلىاللهعليهوسلم فالأقرب ، وفيها تشجيع للصحابة رضوان الله تعالى عليهم فيما يندبهم إليه الصديق رضي الله عنه من قتال أهل الردة وما بعده إلى غير ذلك من الإشارات التي تقصر عنها العبارات ـ والله سبحانه وتعالى الموفق.
ولما كان التقدير : فأتاهم التابوت على الصفة المذكورة فأطاعوا نبيهم فيه فملكوه وانتدبوا معه فخرج بهم إلى العدو وفصل بالجنود من محل السكن ، عطف عليه قوله : (فَلَمَّا فَصَلَ) من الفصل وهو انقطاع بعض من كل ، وأصله : فصل نفسه أو جنده ـ أو نحو ذلك ، ولكنه كثر حذف المفعول للعلم به فصار يستعمل استعمال اللازم (طالُوتُ) أي الذي ملكوه (بِالْجُنُودِ) أي التي اختارها وخرجوا للقاء من سألوا لقاءه لكفره بالله مع ما قد أحرقهم به من أنواع القهر. قال الحرالي : وهو جمع جند وهم أتباع يكونون نجدة للمستتبع (قالَ) أي ملكهم (إِنَّ اللهَ) أي الذي لا أعظم منه وأنتم خارجون في مرضاته (مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ) من الماء الذي جعله سبحانه وتعالى حياة لكل شيء ، فضربه مثلا للدنيا التي من ركن إليها ذل ومن صدف عنها عز. قال الحرالي : فأظهر الله على لسانه ما أنبأ به نبيّهم في قوله (وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ) [البقرة : ٢٤٧] ـ انتهى. (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ) أي ملأ بطنه (فَلَيْسَ مِنِّي) أي كمن انغمس في الدنيا فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) كمن عزف عنها بكليته ثم تلا هذه الدرجة العلية التي قد قدمت للعناية بها بما يليها من الاقتصاد فقال مستثنيا من (فَمَنْ شَرِبَ) : (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ) أي تكلف الغرف (غُرْفَةً بِيَدِهِ) ففي قراءة فتح الغين إعراب
__________________
(١) ورد هذا في حديث : مروا أبا بكر فليصل بالناس وفيه : يأبى الله ذلك والمؤمنون ... يعني أن يصلي غير أبي بكر. وهذا اللفظ عند أحمد ٦ / ٣٤ ـ ١٠٦ ـ ١٤٤ من عدة طرق في خبر مرض النبي صلىاللهعليهوسلم وإمامة أبي بكر الناس.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
