النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) [يوسف : ٤٩] فعصر اليوم هو خلاصة لسلامته من وهج الهاجرة وغسق الليل ، ولتوسط الأحوال والأبدان والأنفس بين حاجتي الغداء والعشاء التي هي مشغلتهم بحاجة الغذاء ؛ ومن إفصاح العرب عطف الأوصاف المتكاملة فيقال : فلان كريم وشجاع ـ إذا تم فيه الوصفان ، فإذا نقصا عن التمام قيل : كريم شجاع ـ بالاتباع ، فبذلك يقبل معنى هذه القراءة أن تكون الوسطى هي العصر عطفا لوصفين ثابتين لأمر واحد ـ انتهى. ويوضح ما قاله رحمهالله تعالى قولهم في الرمان المز : حلو حامض ـ من غير عطف ، وبرهانه أنهم قالوا : إن الجمل إذا تتابعت من غير عطف كان ذلك مؤذنا بتمام الاتصال بينها فتكون الثانية إما علة للأولى وإما مستأنفة على تقدير سؤال سائل ونحو ذلك مما قاله البيانيون في باب الفصل والوصل ، ولو لا إشعار الكلام الأول بالجملة الثانية لاحتياجه إليها لم يوجد محرك للسؤال بخلاف ما إذا تعاطفت كان ذلك يؤذن بأن كل واحدة منها غنية عما بعدها وذلك مؤذن بالتمام : وأما أسماء الله تعالى فتتابعها دون عطف ، لأن شيئا منها لا يؤدي جميع مفهوم اسم الذات العلم ولذلك ختم سبحانه وتعالى آيات سورة الحشر بقوله : (لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) [الحشر : ٢٤] أي أن هذه الأسماء التي ذكرت هي مما أفهمه مدلول الاسم العلم المبتدأ به سواء قلنا إنه مشتق أو لا ، ومهما اطلعت على وصف حسن يليق به سبحانه وتعالى فهو مما دل عليه الاسم الأعظم ، لأن من يستحق العبادة لا يكون إلا كذلك جامعا لأوصاف الكمال ، أو لأنه لما جبلت النفوس وطبعت القلوب على المعرفة بأنه سبحانه وتعالى منزه عن شوائب النقص ومتصف بأوصاف الكمال كان الإعراء من العطف فيها للإيذان بذلك وما عطف منها فلمعنى دعا إليه كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مواضعه ، وأنا لا أشك أن المعطل إذا وقع في ضيق أخرجه ودهمه من البلاء ما أعجزه وأحرق قلبه وأجرى دمعه التفت قلبه ضرورة إلى الله سبحانه وتعالى في كشفه وضرع إليه في إزالته لما ركز في جبلته من كماله وعظمته وجلاله ذاهلا عما تكسبه من قرناه السوء من سوء الاعتقاد وجر نفسه إليه من العناد ـ والله سبحانه وتعالى أعلم ؛ فدونك قاعدة نفيسة طال ما تطلبتها وسألت عنها الفضلاء فما وجدتها وضربت بفكري في رياض الفنون ومهامه العلوم حتى تصورتها ثم بعد فراغي من تفسيري رأيت الكشاف أشار إليها في آية (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ) في آل عمران ـ والله سبحانه وتعالى الموفق.
ولما أمر بالمحافظة عليها أتبعه جامع ذلك فقال : (وَقُومُوا لِلَّهِ) أي الذي له الجلال والإكرام (قانِتِينَ) أي مطيعين ـ قاله الحسن وسعيد بن جبير والشعبي وعطاء وقتادة وطاوس. وروى الطبراني في الأوسط والإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي في
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
