على الصلاح نافين عنه كل فساد مباهتين غير مكترثين (إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ)(١) والإصلاح تلافي خلل الشيء. قاله الحرالي.
ولما كان حالهم مبنيا على الخداع بإظهار الخير وإبطان الشر وكانوا يرون إفسادهم لما لهم من عكس الإدراك إصلاحا فكانوا يناظرون عليه بأنواع الشبه كان قولهم ربما غرّ من سمعه من المؤمنين لأن المؤمن غرّ كريم والكافر خبّ لئيم فقال تعالى محذرا من حالهم مثبتا لهم ما نفوه عن أنفسهم من الفساد وقاصرا له عليهم (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ) أي خاصة (الْمُفْسِدُونَ) أي الكاملو الإفساد البالغون من العراقة فيه ما يجعل إفساد غيرهم بالنسبة إلى إفسادهم عدما لما في ذلك من خراب ذات البين وأخذ المؤمن من المأمن. وقال الحرالي : ولما كان حال الطمأنينة بالإيمان إصلاحا وجب أن يكون اضطرابهم فيه إفسادا لا سيما مع ظنهم أن كونهم مع هؤلاء تارة ومع هؤلاء تارة من الحكمة والإصلاح وهو عين الإفساد لأنه بالحقيقة مخالفة هؤلاء وهؤلاء فقد أفسدوا طرفي الإيمان والكفر ، ولذلك قيل : ما يصلح المنافق ، لأنه لا حبيب مصاف ولا عدو مبائن (٢) ، فلا يعتقد منه على شيء ـ انتهى.
ولما كان هذا الوصف موجبا لعظيم الرهبة اتبعه ما يخففه بقوله : (وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ) أي هم في غاية الجلافة حتى لا شعور لهم يحسنون به التصرف فيما يحاولونه من الفساد الآن بما دلت عليه ما في الآية السابقة الدالة على أن المضارع للحال ولا فيما يستقبل من الزمان لأن لا لا تقارنه إلا وهو بمعنى الاستقبال ، فلأجل ذلك لا يؤثر إفسادهم إلا في أذى أنفسهم ، فلا تخافوهم فإني كافيكموهم.
ولما بين حالهم إذا أمروا بالصلاح العام بين أنهم إذا دعوا إلى الصلاح الخاص الذي هو أس كل صلاح سموه سفها فقال : (وَإِذا قِيلَ) أي من أي قائل كان (لَهُمْ آمِنُوا) أي ظاهرا وباطنا (كَما آمَنَ النَّاسُ) أي الذين هم الناس ليظهر عليكم ثمرة ذلك من لزوم الصلاح واجتناب الفساد والإيمان المضاف إلى الناس أدنى مراتب الإيمان ـ قاله الحرالي ، وهو مفهم لما صرح به قوله : وما هم بمؤمنين (قالُوا أَنُؤْمِنُ) أي ذلك الإيمان (كَما آمَنَ السُّفَهاءُ) أي الذين استدرجهم إلى ما دخلوا فيه بعد ترك ما كان عليه
__________________
(١) قال البيضاوي ١ / ١١٠ : جواب لإذا ورد للناصح على سبيل المبالغة ، والمعنى أنه لا يصح مخاطبتنا بذلك ، فإن شأننا ليس إلا الإصلاح وإن حالنا متمحضة من شوائب الفساد ا ه. وفي النسفي ١ / ٢٠ : نحن مصلحون بين المؤمنين ، والكافرين بالمداراة يعني أن صفة المصلحين خلصت لنا وتمحضت في غير شائبة قادح منها من وجه من وجوه الفساد.
(٢) المباينة المفارقة ، وتباين القوم تهاجروا ، واستبان الشيء ظهر ا ه. مختار.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
