آباؤهم خفة نشأت عن ضعف العقل ، ثم رد سبحانه قولهم بحصر السفه فيهم فقال : (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ) لا غيرهم لجمودهم على رأيهم مع أن بطلانه أظهر من الشمس ليس فيه لبس (وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ) أي ليس لهم علم أصلا لا بذلك ولا بغيره ، ولا يتصور لهم علم لأن جهلهم مركب وهو أسوأ الجهل والعلم ، قال الحرالي : ما أخذ بعلامة وأمارة نصبت آية عليه ـ انتهى. ولما كان الفساد يكفي في معرفته والسد عنه أدنى تأمل والسفه لا يكفي في إدراكه والنهي عنه إلا رزانة العلم ختمت كل آية بما يناسب ذلك من الشعور والعلم ولما كان العام جزء الخاص قدم عليه.
ولما بيّن نفاقهم وعلته وسيرتهم عند دعاء الداعي إلى الحق بهذه الآيات بين سيرتهم في أقوالهم في خداعهم دليلا على إفسادهم بقوله : (وَإِذا لَقُوا) واللقاء اجتماع بإقبال (الَّذِينَ آمَنُوا) أي حقا ظاهرا وباطنا ، ولكن إيمانهم كما قال الحرالي فعل من أفعالهم لم ينته إلى أن يصير صفة لهم ، وأما المؤمنون الذين صار إيمانهم صفة لهم فلا يكادون يلقونهم بمقتضاه ، لأنهم لا يجدون معهم مدخلا في قول ولا مؤانسة ، لأن اللقاء لا بد فيه من إقبال ما من الملتقيين ـ انتهى (قالُوا) خداعا (آمَنَّا) معبرين بالجملة الفعلية الماضية التي يكفي في إفادتها لما سيقت له أدنى الحدوث.
(وَإِذا خَلَوْا) منتهين (إِلى شَياطِينِهِمْ) أي الذين هم رؤوسهم من غير أن يكون معهم مؤمن ، والشيطان هو الشديد البعد عن محل الخير ـ قاله الحرالي ، (قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) معبرين بالأسمية الدالة على الثبات مؤكدين لها دلالة على نشاطهم لهذا الإخبار لمزيد حبهم لما أفاده ودفعا لما قد يتوهم من تبدلهم من رأى نفاقهم للمؤمنين ثم استأنفوا في موضع الجواب لمن قال : ما بالكم تلينون للمؤمنين قولهم؟ (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) أي طالبون للهزء ثابتون عليه فيما نظهر من الإيمان والهزء إظهار الجد وإخفاء الهزل فيه ـ قاله الحرالي.
فأجيب من كأنه قال : بماذا جوزوا؟ بقوله : (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) أي يجازيهم على فعلهم بالاستدراج بأن يظهر لهم من أمره المرذي (١) لهم ما لا يدركون وجهه فهو يجري عليهم في الدنيا أحكام أهل الإيمان ويذيقهم في الدارين أعلى هوان مجددا لهم ذلك بحسب استهزائهم ، وذلك أنكأ من شيء دائم توطّن النفس عليه ، فلذلك عبر بالفعلية دون الاسمية. مع أنها تفيد صحة التوبة لمن تاب دون الاسمية.
(وَيَمُدُّهُمْ) من المد بما يلبس عليهم. وقال الحرالي : من المدد وهو مزيد
__________________
(١) الرّذيّ : من أثقله المرض ، والضعيف من كل شيء ا ه. قاموس.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
