وكان ممن تعوذ بالإسلام وأظهره وهو منافق من أحبار يهود من بني قينقاع سعد ابن حنيف وزيد بن اللّصيت وهو الذي قال في غزوة تبوك : يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فأعلمه الله بقوله وبمكان الناقة (١) ، ونعيمان بن أوفى بن عمرو وعثمان بن أوفى ورافع بن حريملة وهو الذي قال له رسول الله صلىاللهعليهوسلم حين مات : «قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين» (٢) ورفاعة بن زيد بن التابوت وهو الذي قال له رسول الله صلىاللهعليهوسلم إذ هبت تلك الريح وهو قافل من غزوة بني المصطلق : «لا تخافوا ، إنما هبت لموت عظيم من عظماء المنافقين» (٣) ، وسلسلة بن برهام وكنانه بن صوريا. فكان هؤلاء من المنافقين ومن نحا نحوهم يحضرون المسجد فيسمعون أحاديث المسلمين ويسخرون منهم ويستهزئون بدينهم ـ انتهى. وفيه اختصار فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآيات (٤).
وابتدئت قصتهم بالتنبيه على قلة عقولهم وخفة حلومهم من حيث أن محط حالهم أنهم يخادعون من لا يجوز عليه الخداع وأن الذي حملهم على ذلك أنهم ليس لهم نوع شعور ولا شيء من إدراك بقوله تعالى ـ جوابا لسؤال من كأنه قال : فما قصدهم بإظهار الإيمان والإخبار عن أنفسهم بغير ما هي متصفة به مع معرفتهم بقبح الكذب وشناعته وفظاعته وبشاعته؟ (يُخادِعُونَ اللهَ) أي يبالغون في معاملته هذه المعاملة بإبطان غير ما يظهرون مع ما له من الإحاطة بكل شيء ، والخداع أصله الإخفاء والمفاعلة في أصلها للمبالغة لأن الفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده (وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي يعاملونهم تلك المعاملة ، وأمره تعالى بإجراء أحكام الإسلام عليهم في الدنيا صورته صورة الخدع وكذا امتثال المؤمنين أمره تعالى فيهم. قال الحرالي : وجاء بصيغة المفاعلة لمكان إحاطة علم الله بخداعهم ولم يقرأ غيره ولا ينبغي ، والخداع إظهار خير يتوسل به إلى إبطان (٥) شر يؤول إليه أمر ذلك الخير المظهر. انتهى.
(وَما يَخْدَعُونَ) أي بما يغرون به المؤمنين (إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) يعني أن عقولهم لخباثتها إنما تسمى نفوسا ، والنفس قال الحرالي ما به ينفس المرء على غيره استبدادا منه
__________________
(١) هذا الخبر ذكره ابن هشام في السيرة ٢ / ١١٠ في باب من أسلم من أخبار اليهود نفاقا. ثم ذكر منهم زيد بن اللّصيت وذكر خبره هذا نقلا عن ابن اسحاق.
(٢) انظر سيرة ابن هشام ٢ / ١١٠ باب من أسلم من أحبار اليهود نفاقا.
(٣) راجع سيرة ابن هشام ٢ / ١١٠ ، ١١١.
(٤) انظر السيوطي في الدر المنثور ١ / ٣١ وسيرة ابن هشام ٢ / ١١١ فقد ذكرا حول ذلك كلاما كثيرا.
(٥) إبطان شر : إخفاءه وضمره في الصدر.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
