تَسْجُدَ) [الأعراف : ١٢] و (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) [الحديد : ٢٩] لأن من تمام المبهم استعماله في المتقابلين من النفي والإثبات كاستعماله في وجوه من التقابل كما تستعمل (ما) في النفي والإثبات ، وكذلك جاءت «لا» في لسان العرب بمنزلتها في الاستعمال وإن كان دون ذلك في الشهرة ، فوارد القرآن معتبر بأعلى رتبة لغة العرب وأفصحها ، لا يصل إلى تصحيح عربيته من اقتصر من النحو والأدب على ما دون الغاية لعلوه في رتبة العربية (إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [الزخرف : ٢] انتهى. والذين قرؤوا بزيادة «لا» عليّ وابن عباس ـ بخلاف عنه ـ وأبي بن كعب وابن مسعود وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين (١) وميمون بن مهران (٢) ، كما نقل ذلك الإمام أبو الفتح عثمان بن جني (٣) في كتابه المحتسب في توجيه القراءات ـ الشواذ ؛ ومعنى قول عائشة رضي الله تعالى عنها لكان أن لا يطوف خاصة ، ولم ترد قراءة بالإثبات ؛ وأما مع قراءة الإثبات فإن المعنى يرشد إلى أن قراءة النفي مثلها ، لأن كونهما من الشعائر يقتضي التطوف بهما لا إهمالهما ـ والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الحرالي : وذكره تعالى بالتطوف الذي هو تفعّل أي تشبه بالطواف ، ومع البيت بالطواف في قوله تعالى : (أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) [البقرة : ١٢٥] لما كان السعي ترددا في طول ، والمراد الإحاطة بهما ، فكان في المعنى كالطواف لا في الصورة ، فجعله لذلك تطوفا أي تشبها بالطواف ـ انتهى.
ولما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يقصدوا بترك الطواف بينهما إلا الطاعة فأعلموا أن الطواف بينهما طاعة ، عبر بما يفيد مدحهم فقال تعالى : (وَمَنْ تَطَوَّعَ) قال الحرالي : أي كلف نفسه معاهدة البر والخير من غير استدعاء له (خَيْراً) فيه إعلام بفضيلة النفقة في الحج والعمرة بالهدي ووجوه المرافق للرفقاء بما يفهمه لفظ
__________________
ـ فكان من أهلّ يتحرّج أن يطوف بالصفا والمروة ، فلما أسلموا سألوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن ذلك قالوا : يا رسول الله إنا كنا نتحرّج أن نطوف بين الصفا والمروة ، فأنزل الله تعالى : (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ) الآية قالت عائشة رضي الله عنها : وقد سن رسول الله صلىاللهعليهوسلم الطواف بينهما ، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما».
فهذا الكلام يدل على وجوب الطواف عند عائشة ، وعلى متابعة عروة لها.
(١) هو إمام المعبرين محمد بن سيرين كان أبوه عبدا لأنس بن مالك ، وأمه صفية مولاة لأبي بكر الصديق ، وكان ابن سيرين كاتبا لأنس بفارس توفي سنة : ١١٠.
(٢) هو الإمام التابعي ميمون بن مهران أبو أيوب الفقيه كان من العلماء العاملين روى عن عائشة ، وأبي هريرة ، وطائفة توفي سنة : ١١٧.
(٣) هو الإمام النحوي صاحب التصانيف عثمان بن جنّي أبو الفتح الأديب الموصلي له من الكتب المحتسب في شرح الشواذ ، ومختار تذكره أبي علي الفارسي توفي سنة : ٣٩٢.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
