الخير ، لأن عرف استعماله في خير الرزق والنفقة ، كما قال تعالى : (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) [العاديات : ٨] و (إِنْ تَرَكَ خَيْراً) [البقرة : ١٨٠] ؛ ولما كان رفع الجناح تركا عادلها في الخطاب بإثبات عمل خير ليقع في الخطاب إثبات يفيد عملا حين لم يفد الأول إلا تركا ، فمن تحقق بالإيمان أجزل نفقاته في الوفادة على ربه واختصر في أغراض نفسه ، ومن حرم النصف من دنياه اقتصر في نفقاته في نفقاته في وفادته على ربه وأجزل نفقاته في أغراض نفسه وشهوات عياله ، فذلك من أعلام المؤمنين وأعلام الجاهلين ، من وفد على الملك أجزل ما يقدم بين يديه ، وإنما قدمه بالحقيقة لنفسه لا لربه ، فمن شكر نعمة الله بإظهارها حين الوفادة ، عليه في آية بعثة إليه ولقائه له شكرا لله له ذلك يوم يلقاه ، فكانت هدايا الله له يوم القيامة أعظم من هديه إليه يوم الوفادة عليه في حجه وعمرته (فَإِنَّ اللهَ) أي المحيط بجميع صفات الكمال (شاكِرٌ) أي مجاز بالأعمال مع المضاعفة لثوابها ؛ قال الحرالي : وقوله : (عَلِيمٌ) فيه تحذير من مداخل الرياء والسمعة في إجزال النفقات لما يغلب على النفس من التباهي في إظهار الخير ـ انتهى. ولما تقدم أن بعض أهل الكتاب يكتمون ما يعلمون من هذا الحق وختم ما اتبعه له بصفتي الشكر والعلم ترغيبا وترهيبا بأنه يشكر من فعل ما شرعه له ويعلم من أخفاه وإن دق فعله وبالغ في كتمانه انعطف الكلام إلى تبكيت المنافقين منهم والمصارحين في لعنهم على كتمانهم ما يعلمون من الحق إذ كانت هذه كلها في الحقيقة قصصهم والخروج إلى غيرها إنما هو استطراد على الأسلوب الحكيم المبين لأن هذا الكتاب هدى وكان السياق مرشدا إلى أن التقدير بعد (شاكِرٌ عَلِيمٌ) ومن أحدث شرا فإن الله عليم قدير ، فوصل به استئنافا قوله على وجه يعمهم وغيرهم : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ) بيانا لجزائهم (ما أَنْزَلْنا) أي بعظمتنا. قال الحرالي : فانتظمت هذه الآية أي في ختمها لهذا الخطاب بما مضى في أوله من قوله : (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة : ٤٢] فكانت البداية خاصة وكان الختم عاما ، ليكون ما في كتاب الله أمرا على نحو ما كان أمر محمد صلىاللهعليهوسلم ومن تقدمه من الرسل خلقا لينطبق الأمر على الخلق بدءا وختما انطباقا واحدا ، فعم كل كاتم من الأولين والآخرين ـ انتهى (مِنَ الْبَيِّناتِ) أي التي لا يحتاج سامعها المجرد عن الهوى في فهمها إلى شيء معها. قال الحرالي : ففي إفهامه إذن في كتم ما يخفى من العلم عن عقول لم تصل إليه ـ انتهى. (وَالْهُدى) أي الذي من شأنه أن يقود من أحبه إلى صراط مستقيم.
ولما كان المراد الترهيب من الكتمان في وقت ما ولو قل أثبت الجار فقال (مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ) أي بما لنا من العظمة (لِلنَّاسِ) أي الذين هم في أدنى طبقات المخاطبين ،
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
