(الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) مخصصا لهما لكونهما مجمعي الآفاق كما مضى فلا تختص بالوجهة إليه جهة دون أخرى فما أمر به فهو الحق.
ولما قرر أن الجهات كلها بالنسبة إليه سواء لأنها ملكه ، على أن من توجه إلى شيء منها بأمره أصاب رضاه وذلك هو الوصول إليه فعبر عن ذلك مستأنفا بقوله معظما لأهل الإسلام ومعرفا بعنايته بهم : (يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) أي من عباده ، وعظم الكعبة بقوله : (إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) في أي جهة كانت ، فمتى سلكه وصل إلى المقصود من غير ضلال ، ونكّره لأن المراد به جزئيات من الشريعة ؛ وأما الصراط المعرف في الفاتحة فالمراد به الشريعة كلها بما دلت عليه «أل» من الكمال.
ولما بين استقامة القبلة التي وجههم إليها عرف أنها وسط لا جور فيها فاتبع ذلك قوله : (وَكَذلِكَ) أي ومثل ما جعلنا قبلتكم وسطا لأنها إلى البيت العتيق الذي هو وسط الأرض وهو بناء إبراهيم عليهالسلام هو أوسط الأنبياء وهو مع ذلك خيار البيوت فهو وسط بكل معنى (جَعَلْناكُمْ) بالهداية إليه في الاستقبال وإلى غيره مما نأمركم به (أُمَّةً.) قال الحرالي : من الأم وهو تتبع الجملة والعدد بعضها لبعض إلى أن ينتهي لإمام أول ، فالإمام والأمة كالمتقابلين ، الإمام قاصد أمما ، والأمة قاصدة إمامها الذي هو أممها ، والإمام ما بين اليدين بمشهد الحس وسبيل القصد ـ انتهى. (وَسَطاً) أي شريفة خيارا ، لأن الوسط العدل الذي نسبة الجوانب كلها إليه سواء ، فهو خيار الشيء. قال أبو تمام الطائي (١) :
|
كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت |
|
بها الحوادث حتى أصبحت طرفا |
وسالك الوسط من الطريق محفوظ من الغلط ، ومتى زاغ عن الوسط حصل الجور الموقع في الضلال عن القصد ؛ ففي هذا أنهم لما ادعوا الخصوصية كذبوا وردت حججهم ثم أثبتت الخصوصية لهذه الأمة ؛ والوسط بالتحريك اسم لعين ما بين طرفي الشيء كمركز الدائرة ، وبالسكون اسم مبهم لداخل الدائرة مثلا ، وكذا كان ظرفا ، فالأول يجعل مبتدأ وفاعلا ومفعولا به ، ولا يصح شيء من هذا في الساكن ـ قاله الأصبهاني. ومادة وسط مهموزة وغير مهموزة واوية ويائية بتراكيبها الأحد عشر : وسط ، وطس ، سوط ، سطو ، طوس ، طسو ، طيس ، طسى ، سيط سطأ طسأ ، تدور على العدل السواء الذي نسبته إلى كل جانب على التساوي ، ويلزم أن يكون أعلى من غيره ، لأن أكثر المخلوقات كريّ ؛ وكل ما كان في وسط الكرة كان أعلى ، ولأن كل
__________________
(١) هو الشاعر أبو تمام حبيب بن أوس الحوراني الطائي مقدم شعراء عصره توفي في أواخر سنة : ٢٣١.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
