الحق! وقال : (السُّفَهاءُ) ولم يقل : سيقولون ، إظهارا للوصف الذي استخفهم إلى هذا القول الظاهر عواره لأهل كل دين والسفيه الذي يعمل بغير دليل ، إما بأن لا يلتفت إلى دليل فلا يتوقف إلى أن يلوح له بل يتبع هواه ، أو يرى غير الدليل دليلا ، وأكد الوصف بالطيش بقوله : (مِنَ النَّاسِ) المأخوذ من النوس وهو التحرك ، دون أن يقول : من أهل الكتاب ، أو بني إسرائيل ـ ونحو ذلك تصريحا بذمهم وتعميما لكل من مالأهم على ذلك (ما وَلَّاهُمْ) ولم يقولوا : من ، زيادة في الأذى بالاحتقار (عَنْ قِبْلَتِهِمُ.) قال الحرالي : القبلة ما تجعل قبالة الوجه ، والقبل ما أقبل من الجسد في مقابلة الدبر لما أدبر منه (الَّتِي كانُوا عَلَيْها) أي بيت المقدس ، ولعله ترك الإفصاح ليصلح ذلك لإرادة الكعبة أيضا ليصير المعنى : إن كانوا انتقلوا عن الكعبة بأمر الله فهم مبطلون في رجوعهم وإلا فهم في كل حال أتباع الهوى ؛ وفي ذلك إشارة إلى أنه لما انقطعت حججهم ألقوا هذه الشبهة إلى من اختدعوه من المنافقين ولم يقدروا أن يواجهوا بها أحدا من الثابتي الإيمان ، كما قالوا فيما تقدم : (كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى) [البقرة : ١٣٥] ونحوه علما منهم بأن المحاج لهم عن المؤمنين من له الحجة البالغة ؛ ولذا جاء جوابهم بقوله : (قُلْ) خاليا عن خطاب لا كما مضى في قوله : (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً) [البقرة : ٨٠] (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ) [البقرة : ١١١] ونحوه ؛ وساق سبحانه الإخبار عنهم بذلك على طريق هو من أعلام النبوة ودلائل الرسالة ؛ فإنه إخبار عما سيكون من الأعداء ، فكان منهم على وفق الخبر ؛ ولم يقدروا مع شدة عداوتهم واجتهادهم في القدح بأدنى شبهة في التكذيب على تكذيبه بالكف عن ذلك ؛ هذا مع توطئة لذلك فيما سلف في خمسة مواضع : تحريفهم لكلام الله ، وإيقاعه النسخ واستدلاله على حسن فعله ، وإخباره بظلم مانع المسجد ، وإخباره بأنه لا يختص به جهة دون أخرى ، وذكره بناء البيت وما أمر به من تعظيمه واتخاذه مصلى ؛ مع ما في ذلك من توطين نفوس أهل الإسلام وإكرامهم بتعليم الجواب قبل الحاجة ، ليكون أقطع للخصم وأكسر لشوكته وأردّ لشغبه. وتسميتهم سفهاء ناظر إلى قوله فيما مضى عمن نافق منهم ومن غيرهم (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ) [البقرة : ١٣] ، لأنهم وإن كانوا مصارحين بالكفر فاسم النفاق منطبق عليه من جهة أخرى وهو أنهم أظهروا الكفر وأبطنوا معرفة الإيمان ، أظهروا التكذيب وأبطنوا ما هم عارفون به من صدقه ، وأيضا فإذا كان المنافقون الذين أظهروا حسنا سفهاء لما أبطنوه من القبيح فالذين عمهم القبح ظاهرا وباطنا أسفه : وإلى قوله قريبا (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) [البقرة : ١٣٠] لما تقرر من مخالفتهم له وإن ادعوا الموافقة. وقال : (لِلَّهِ) أي الملك المحيط بكل شيء عظمة وعلما
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
