(فَقَدِ اهْتَدَوْا) عكس ما قالوا كونوا مثلنا تهتدوا ، وعبر بفعل المطاوعة لكون الإيمان مع ظهوره بظهور دلائله موافقا للفطرة الأولى ، وأما الكفر فإنه لما كان لأجل ظهور الإيمان وانطباعه في الجنان بعيدا عن المزاج لا يكون إلا بنوع من العلاج بين الهوى والعقل وكان لا يكون إلا بعد الإعراض عن الإيمان وغيبته عن العيان عبر عن ارتكابه بما يشعر بذلك بصيغة التفعل فقال : (وَإِنْ تَوَلَّوْا) قال الحرالي : فيه إشعار بإيمان مؤمن منهم وتولي متول منهم ، لأن الله تعالى إذا صنف الخطاب كان نبأ عن تصنيف الكيان ، فهو تعالى لا يخرج نبأه على غير كائن فيكون نبأ لا كون له ، إنما ذلك أدنى أوصاف بعض الخلق (فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ) أي يريدون أن يكونوا في شق غير شقكم ، لأنهم يعلمون أن الهدى ليس في شيء غيره كما اقتضته «إنما».
ولما كان اللازم لمشاقّتهم على هذا الحال المكايدة والمحاربة وكان ذلك على وجه العناد لم يكل سبحانه كفاية أوليائه إلى غيره فسبب عن ذلك قوله : (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ ؛) أي بوعد لا خلف فيه أصلا وإن تأخر شيئا من تأخر بما له من قدرة وغيرها من صفات الكمال التي أفهمها الاسم الشريف ، والكفاية إغناء المقاوم عن مقاومة عدوه بما لا يحوجه إلى دفع له ـ قاله الحرالي. ولما كان المناوىء لشخص إما أن يكيده بقوله أو بفعله وكان الفعل مسبوقا بالارتسام في الضمير وكان الكافي لشخص إنما يتوقف كفايته على العلم بما يصلحه قال : (وَهُوَ السَّمِيعُ) أي لما يقول أعداؤكم (الْعَلِيمُ) بما يضمرون فهو يسبب لكل قول وضمير منهم ما يرد ضرره عليه ، فحظكم منهم مقصور على أذى في القول وسوء في ودّ في الضمير ، وحظهم منكم قهرهم وسبيهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم. وجعل الحرالي (صِبْغَةَ اللهِ) أي هيئة صبغ الملك الأعلى التي هي حلية المسلم وفطرته كما أن الصبغة حلية المصبوغ حالا تقاضاها معنى الكلام ، وعاب على النحاة كونهم لا يعرفون الحال إلا من الكلم المفردة ولا يكادون يتفهمون الأحوال من جملة الكلام ، وقال : الصيغة تطوير معاجل بسرعة وحيه ، وقال : فلما كان هذا التلقين تلقينا وحيا سريع التصيير من حال الضلال المبين الذي كانت فيه العرب في جاهليتها إلى حال الهدى المبين الذي كانت فيه الأنبياء في هدايتها من غير مدة جعله تعالى صبغة كما يصبغ الثوب في الوقت فيستحيل من لون إلى لون في مقابلة ما يصبغه أهل الكتاب بأتباعهم المتبعين لهم في أهوائهم في نحو الذي يسمونه الغطاس (١)(وَمَنْ
__________________
(١) قال النسفي في تفسيره ١ / ٧٧ : صبغة الله دين الله والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ، ويقولون تطهير لهم ، فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال : الآن صار نصرانيا حقا.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
