أَحْسَنُ مِنَ اللهِ) أي الذي له الكمال كله (صِبْغَةَ) لأنها صبغة قلب لا تزول لثباتها بما تولاها الحفيظ العليم ، وتلك صبغة جسم لا تنفع ، وفيه إفهام بما يختص به الذين آمنوا من انقلاب جوهرهم نورا ، كما قال عليه الصلاة والسّلام : اللهم اجعلني نورا! فكان ما انقلب إليه جوهر الأئمة انصبغت به قلوب الأمة (وَنَحْنُ لَهُ) أي خاصة (عابِدُونَ) تكملة لرد الخطاب على خطاب عهد إسرائيل حيث قال : (ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي) [البقرة : ١٣٣] إلا أن العبادة في عهد إسرائيل سابقة والإسلام حتم ، والإسلام في هذا التلقين بدء لتقع العبادة شكرا ـ يختص برحمته من يشاء ، وجاء به بالوصف الثابت الدائم ففيه إشعار بأن أحدا منهم لا يرتد عن دينه سخطة له بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه ، وهو حظ عام من العصمة الثابت خاصها للنبي صلىاللهعليهوسلم في عليّ أمره ـ انتهى.
ولما أمر تعالى بقوله : (قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ) [البقرة : ١٣٥] وما بعده بإعلام الخصم بالمخالفة وأن لا موافقة إلا بترك الهوى واتباع الهدى أمر بمجادلتهم بما يوهي أقوالهم ويزيح شبههم فقال معرضا بالخطاب عن الجمع موجها له إلى رسوله صلىاللهعليهوسلم رفعا لمقامه وتعريفا بعلي منصبه إعلاما بأنه لا ينهض بذلك غيره لما لهم من العلم مع ما عندهم من الجدل واللدد : (قُلْ) منكرا لمحاجتهم وموبخا لهم عليها (أَتُحَاجُّونَنا) ولما كان الأنسب في المقارعة إعلام الخصم بالمخالفة لأنه أقطع لطمعه وأمكن لغيظه مع أنه هنا أقرب إلى رضى الخالق قدم على المجادلة ، ومعنى قوله : (فِي اللهِ) في اختصاصكم بالملك الذي لا ملك سواه ، لأن له الكمال كله المشار إلى إبطاله فيما سبق بقوله : (قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً) [البقرة : ٩٤] أي أتحاجوننا في ذلك ولا وجه لاختصاصكم به (وَهُوَ) أي والحال أنه (رَبُّنا وَرَبُّكُمْ) نحن وأنتم في العبودية له سواء (وَلَنا أَعْمالُنا) نختص بها دونكم (وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ) تختصون بها دوننا ، لا نخاف منه أن يخصكم بأعمالنا ولا بشيء منها لتختصوا بها عنده ولا أن يخصنا بأعمالكم ولا بشيء منها لنبعد بها عنه ظلما ولا غلطا ، لأنه السميع العليم الغني الحميد (وَنَحْنُ) أحسن أعمالا منكم لأنا دونكم (اللهِ) وحده (مُخْلِصُونَ) لا نشرك به شيئا وأنتم تشركون به عزيرا والمسيح والأحبار والرهبان ، وأنتم تعلمون ذلك في باطن الأمر وإن أظهرتم خلافه ، فلزم قطعا أنا أخص به منكم ؛ والإخلاص عزل النفس جملة ، فلا يبلغ عبد حقيقته حتى لا يحب أن يحمد على عمل. ولما كان قد بقي من مباهتاتهم أنهم يدعون أن أسلافهم كانوا على دينهم فيكون دعواهم الاختصاص بالجنة صحيحة أبطلها سبحانه بقوله : (أَمْ) أي أرجعوا عن قولهم : (كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا) [البقرة : ١٣٥] لما ثبت من مخالفة ذلك لملة إبراهيم وآله أم (تَقُولُونَ) ولا يخفى أن
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
