[الأنعام : ١٦٣] فهذه أولية رتبة الكمال التي هي خاصة به ومن سواه فهو منه فيها ، لأن نفي الشيء يفهم البراءة واللحاق بالمتأصل في مقابله ، فمن لم يكن مثلا من الكافرين فهو من المؤمنين ، لأنه لو كان هو المؤمن لذكر بالصفة المقابلة لما نفى عنه ، لما في ذلك من معنيي إثبات الوصف ونفي مقابله ، ومثل هذا كثير الدور في خطاب القرآن ، وبين من له الوصف ومن هو منه تفاوت ما بين السابق واللاحق في جميع ما يرد من نحوه يعني ومثل هذا التفاوت ظاهر للفهم خفي عن مشاهد العلم ، لأن العلم من العقل بمنزلة النفس ؛ والفهم من العقل بمنزلة الروح ، فللفهم مدرك لا يناله العلم ، كما أن للروح معتلى لا تصل إليه النفس ، لتوجه النفس إلى ظاهر الشهود ووجهة الروح إلى على الوجود ـ انتهى.
ولما قيل ذلك توجهت النفس إلى ما به يوصل إلى ملة إبراهيم.
فصرف الخطاب الذي كان عند الحجاج للأكل على وجه يشمل من قاربه إلى من دونه بما يشمله ، لأن المراد العموم ، وساقه تعالى في جواب من كأنهم قالوا : ما نقول : حتى نكون إياها فقال : (قُولُوا) أي يا أيها الذين آمنوا (آمَنَّا بِاللهِ) الذي له جميع صفات الكمال.
ولما كان المأمور المؤمنين وكانت تعدية الإنزال بإلى تقتضي الانتهاء وكان ذلك يقتضي واسطة قبل الانتهاء وكان الانتهاء إلى الاتباع إنما هو بالقصد الثاني كان الأنسب في هذه الآية لتوجيه الأمر إليهم التعبير بإلى بخلاف آية آل عمران كما سيأتي إن شاء الله تعالى فقال : (وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا) أي من الكتاب الذي تقدم أنه الهدى على أي وجه كان من الأحكام والنسخ والنسيء وغير ذلك وقيل (وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ) ليكون المهيع واحدا (وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ) ابنيه. قال الحرالي : فلقن العرب الأميين المحسودين على ما آتاهم الله من فضله نسق ما أجرى من لفظ بني إسرائيل في عهده لهم ، فكان فيه وصل العرب الذين هم أبناء إسماعيل بإبراهيم وبنيه وقطع بني إسرائيل عنهم ، وفيه إظهار لمزية فضل الله على العرب حين يلقنهم ولا يستنطقهم فيقصروا في مقالهم فأغناهم بما لقنهم فتلوه عما كانوا يقولونه لو وكلوا إلى أنفسهم فسكّنهم ربهم فأقرأهم ما يصلح من القول لهم وقال : (وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ) تكملة لما تقدم في العهد السابق ـ انتهى. (وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى) أي من ربهم من المنزل من التوراة والإنجيل وغير المنزل ، وغيّر الأسلوب تفضيلا لما لهما من الكتابين والمعجزات وغير ذلك من المكنة ؛ ثم أسند الإيتاء إلى الجميع لكون أهل الكتب العظيمة فيهم على سبيل التغليب فقال مؤكدا الكلام لأنه على لسان الأتباع وهم بالتأكيد أحق : (وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ) أي قاطبة من تقدم وغيرهم من المنزل من كتاب وغيره (مِنْ رَبِّهِمْ) المحسن إليهم بذلك
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
