من دين الإسلام خاص بها لا شركة لكم فيه (وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ) أي مما أنتم عليه من الهوى خاص بكم لا يسألون هم عن أعمالكم (وَلا تُسْئَلُونَ) أي أنتم (عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) ولما أخبر تعالى أنهم تركوا السنة في تهذيب أنفسهم بالاقتداء في الاهتداء بالأصفياء من أسلافهم وبين بطلان ما هم عليه الآن من كل وجه وأوضح أنه محض الضلال بين أنه عاقبهم على ذلك بأن صيرهم دعاة إلى الكفر ، لأن سنته الماضية سبقت ولن تجد لسنته تحويلا أن من أمات سنة أحيى على يديه بدعة عقوبة له. قال الحرالي : لأنهما متناوبان في الأديان تناوب المتقابلات في الأجسام فقال تعالى معجبا منهم عاطفا على قوله : (وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ) [البقرة : ١١١] (وَقالُوا) أي الفريقان من أهل الكتاب لأتباع الهدى (كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا) أي لم يكفهم ارتكابهم للباطل وسلوكهم طرق الضلال حتى دعوا إلى ما هم عليه ووعدوا بالهداية الصائرة إليه فأمره تعالى بأن يجيبهم أنه مستن بسنة أبيهم لا يحول عنها كما حالوا فقال موجها الخطاب إلى أشرف خلقه لعلو مقام ما يخبر به وصعوبة التقيد به على النفس : (قُلْ بَلْ) مضربا عن مقالهم ، أي لا يكون شيئا مما ذكرتم بل نكون أو نلابس أنا ومن لحق بي من كمل أهل الإسلام (مِلَّةَ إِبْراهِيمَ) ملابسة نصير بها إياها كأننا تجسدنا منها ، وهو كناية عن عدم الانفكاك عنها ، فهو أبلغ مما لو قيل : بل أهل ملة إبراهيم. قال الحرالي : ففيه كمال تسنن محمد صلىاللهعليهوسلم في ملته بملة إبراهيم عليهالسلام الذي هو الأول لمناسبة ما بين الأول والآخر ، وقد ذكر أن الملة ما أظهره نور العقل من الهدى في ظلم ما التزمه الناس من عوائد أمر الدنيا ، فكان أتم ما أبداه نور العقل ملة إبراهيم (حَنِيفاً) أي لينا هشا سهلا قابلا للاستقامة مائلا مع داعي الحق منقادا له مسلما أمره إليه ، لا يتوجه إليه شيء من العشاوة والكثافة والغلظة والجمود التي يلزم منها العصيان والشماخة والطغيان ، وذلك لأن مادة حنف بكل ترتيب تدور على الخفة واللطافة ، ويشبه أن تكون الحقيقة الأولى منها النحافة ، ويلزم هذا المعنى الانتشار والضمور والميل ، فيلزمه سهولة الانقياد والاستقامة ، ويكشفه آية آل عمران (وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً) [آل عمران : ٦٧] فبذلك حاد عن بنيات طرق الخلق في انحرافهم عن جادة طريق الإسلام. وقال الحرالي : الحنيف المائل عن متغير ما عليه الناس عادة إلى ما تقتضيه الفطرة حنان قلب إلى صدق حسه الباطن.
ولما أثبت له الإسلام بالحنيفية نفى عنه غيره بقوله : (وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) قال الحرالي : فيه إنباء بتبرئة كيانه من أمر الشرك في ثبت الأمور والأفعال والأحوال وفي إفهامه أنه من أمر محمد صلىاللهعليهوسلم في الكمال الخاتم كما أن محمدا صلىاللهعليهوسلم منه في الابتداء الفاتح ، قال تعالى لمحمد صلىاللهعليهوسلم : (قُلْ إِنَّ صَلاتِي) [الأنعام : ١٦٢] إلى قوله : (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
