تيسر عليه قراءة حرفي صلاح الآخرة من الأمر والنهي ، ولما اقتضت الحكمة والعلم إقامة أمر الدنيا بقراءة حرفي صلاحها تماما اقتضى الإيمان بالغيب وتصديق الوعد والوعيد تجارة اشتراء الغيب الموعود من عظيم خلاق الأخرى بما ملك العبد من منقود متاع الدنيا ، فكل الحلال ما عدا الكفاف بالسنة متجر للعبد ، إن أنفقه ربحه وأبقاه فقدم عليه ، وإن استمتع به أفناه فندم عليه (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ) [التوبة : ٦٩] (لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) [المنافقون : ١٠] (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران : ٩٢] ذلك مال رابح ذلك مال رابح ، وكما أن حرف الحلال موسع ليحصل به الشكر فحرف النهي مضيق لمتسع حرف الحلال ليحصل به الصبر ليكون به العبد شاكرا صابرا ، فالذي يحصل به قراءة حرفي النهي أما من جهة القلب ورؤيا الفؤاد فمشاهدة البصيرة لموعود الجزاء حتى كأنه ينظر إليه لترتاح النفس بخيره وترتاع من شره ، كما قال حارثة (١) : «كأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون وإلى أهل النار في النار يعذبون» فأثمر له ذلك ما أحبر به عن نفسه في قوله : «وعزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها وخزفها» (٢) وخصوصا من أيد بالمبشرات من الرؤيا الصالحة والكشف الصادق ليدع الفاني للباقي على يقين ومشاهدة ، وأما من جهة حال النفس فالصبر بحبسها عما تشهيه طبعا مما هو محلل لها شرعا ، قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم لعمر رضي الله عنه لما رثى لحاله : «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» (٣)(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ) ،
__________________
(١) هو الحارث بن مالك الأنصاري صاحب رسول الله صلىاللهعليهوسلم.
روى حديثه ابن المبارك في الزهد عن صالح بن مسمار مرسلا ا ه. الإصابة.
(٢) ضعيف. أخرجه العقيلي في الضعفاء ٤ / ٤٥٥ عن يوسف بن عطية الصفار عن ثابت عن أنس قال : بينا رسول الله صلىاللهعليهوسلم يمشي إذا استقبله شاب من الأنصار فقال له النبي صلىاللهعليهوسلم : كيف أصبحت يا حارثة؟ قال : يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري ، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة كيف يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار كيف يتعاوون فقال : أبصرت فالزم ، عبد نور الله الإيمان في قلبه».
قال العقيلي : ليس لهذا إسناد يثبت ا ه.
وذكره الذهبي في الميزان ٤ / ٤٦٩ في ترجمة يوسف بن عطية الصفار وقال : يوسف مجمع على ضعفه. وقال النسائي متروك. وقال الفلاس : ما علمته يكذب لكنه يهم وكناه البخاري أبا سهل ، وقال : منكر الحديث ا ه.
وانظر الإصابة في تمييز الصحابة ١ / ٢٨٩ حيث ذكر علله ونقل عن البيهقي : لا يثبت موصولا.
(٣) حسن. أخرجه أحمد ٣ / ١٣٩ ، ١٤٠ وأبو يعلى ٢٧٨٢ ، ٢٧٨٣ وابن حبان ٦٣٦٣ كلهم من حديث أنس وذكره الهيثمي في المجمع ١٠ / ٣٢٦ وقال : رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أحمد رجال الصحيح غير مبارك بن فضالة
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
