[البقرة : ٤٥] وصبر النفس عن شهواتها وإن كانت حلالا هو حقيقة تزكيتها ، وقتلها بإضنائها منها هو حياتها ، وإطلاقها ترتع في شهواتها هو تدسيتها ، (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) [الشمس : ٩ ـ ١٠] والنفس مطية يقويها إنضاؤها (١) ، ويضعفها استمتاعها ، وحبسها عن ذلك شائع في جهات وجوه الحلال كلها إلّا في شيئين : في النساء بكلمة الله ، لأنهم من ذات نفس الرجال ولسن غيرا لهم (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها) [الأعراف : ١٨٩] و (آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) [النساء : ٢٠] والثاني في الطيب ، لأنه غذاء للروح وتقوية للحواس ونسمة من باطن الملكوت إلى ظاهر الملك ، وما عداهما فالاستمتاع به واتباع النفس هواها فيه علامة تكذيب وعد الرحمن وتصديق وعد الشيطان (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ) [النحل : ٢٦] (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً) [النساء : ١٢٠] هذا من جهة النفس ، وأما من جهة العمل وتناول اليد فرفعها عما زاد على الكفاف وتخليته لذوي الحاجة ليتخذوه معاشا ، وأن يكون التمول من غير القوام تجارة نقل وضرب في الأرض وإرصاد لوقت حاجة لا حكرة وتضييقا ، اتخاذ أكثر من لبستين للمهنة والجمعة علامة لضعف الإيمان وخلاف السنة وانقطاع عن آثار النبوة وعدول عن سنة الخلفاء وترك لشعار الصالحين ، وكذلك تصفية لباب الطعام وقصد المستحسن في الصورة دون المستحسن في العلم وإيثار الطيب في المطعم على الطيّب في الورع وتكثير الأدم وتلوين الأطعمة ، وكذلك اتخاذ أكثر من مسكن واحد وأكثر من مزدرع (٢) كاف ورفع البناء والاستشراف بالمباني ، امتنع النبي صلىاللهعليهوسلم من رد السّلام على رجل اتخذ قبة في المدينة حتى هدمها وسوّاها مع بيوت أهل
__________________
ـ وقد وثقه جماعة وضعفه جماعة ا ه. وفي إسناده أيضا موسى بن محمد بن حبان ضعفه أبو زرعة ، ولم يترك كما في الميزان ٤ / ٢٢١ وورد بنحوه من حديث ابن عباس أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣ / ٣٤٢ وأحمد ١ / ٣٠١ والطبراني في الكبير ١١٨٩٨ والحاكم ٤ / ٣٠٩ ، ٣١٠ وابن حبان ٦٣٥٢ ولفظه «دخل عمر بن الخطاب على النبي صلىاللهعليهوسلم وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال : يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا؟ فقال : يا عمر ما لي وللدنيا ، وما للدنيا ولي والذي نفسي بيده ما مثلي ، ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف ، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ، ثم راح وتركها» فهذا شاهد لحديث انس. صححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وقال الهيثمي في المجمع ١٠ / ٣٢٦ : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير هلال بن خباب ، وهو ثقة ا ه. (١) أنضاء : مثل حمل وأحمال وجمل نضو : أي مهزول. والثوب أنضيته : ألقيته. والنضو بالكسر : حديدة اللجام. وهذا الأخير هو مراد المصنف. والمراد الحد من شهوتها.
(٢) مزدرع : موضع للزراعة وازدرع فلان أي : احترث.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
