والمطلب الثاني : أنّ ما أوضحناه في المقام في بيان حقيقة علقة الوضعيّة بعنوان الحقيقة مختصّة بخصوصيّة خاصّة ، وهي تنحصر فيما إذا كان هدف المتكلّم من الاستعمال والكلام تفهيم المعنى بذلك اللفظ المأخوذ في الكلام في مقام التخاطب. وهذه النكتة من النتيجة إنّما تكون لا بدّ منها على نحو الحتم لمن ذهب إلى اختيار هذا القول الذي هو عبارة من التعهّد والالتزام النفساني في الوضع ، ولا يبعد أن تكون هذه النكتة هي النقطة الرئيسية لمسلكنا المختار في المقام ؛ إذ تترتّب عليها ثمرات سنتكلّم فيها في ما تأتي الإشارة إليها بعد ذلك بعون الله الواحد القهّار.
وبقي هنا توهّم آخر ، فلا بدّ لنا من الإشارة إليه والجواب عنه ، وهو عبارة عن أنّ علقة الوضعيّة إذا لم تكن موجودة بين اللفظ والمعنى على نحو الإطلاق ، فكيف يتبادر فهم المعاني منها فيما إذا تلفّظ بها شخص من دون قصد التفهيم ، كما إذا تكلّم بها متكلّم في حال النوم والسكر والإغماء ممّن لا شعور له ولا اختيار ، بل التبادر منها مسلّم فيما إذا تكوّن ذلك الصوت واللفظ من اصطكاك جسم بأجسام أخر فضلا عمّا إذا وقع في لسان إنسان من أبناء البشر.
وبالجملة ، هذا التبادر منها إلى ذهن السامع غير قابل للإنكار في جميع هذه الصور ، حتّى إذا تحصّل هذا اللفظ من وقوع الحجر على الحجر ، فكيف يجوز لنا أن نقول : إنّ علقة الوضعيّة بعنوان وضع الحقيقة مختصّة بما إذا تكلّم بها المتكلّم في حال الشعور مع قصد التفهيم في مقام التخاطب خاصّة فقط ؟
وفيه : أنّ هذا التوهّم ليس كما توهّم ؛ لعدم كون مثل هذا التبادر إلى الأذهان معتمدا على العلقة الوضعيّة ، بل الحقّ ـ والله العالم ـ أنّ أمثال هذه الانسباقات والتبادرات إلى الأذهان من سماع أصوات هذه الألفاظ بهذه السعة إنّما تحصّلت من ناحية الانس الذي صار بمنزلة الارتكاز الثانوي في أذهان السامعين ، لأجل
![دراسات الأصول في أصول الفقه [ ج ١ ] دراسات الأصول في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4357_derasat-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)