مقابلة له ، جمعا بين الأدلة ، ولهذا قال تعالى توكيدا وتقوية لما تقدم : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ). هذا تفسير لصفة المقاصة ، وأنها هي المماثلة في مقابلة المعتدي. ولما كانت النفوس ـ في الغالب ـ لا تقف على حدها إذا رخص لها في المعاقبة لطلبها التشفي ، أمر تعالى بلزوم تقواه ، التي هي الوقوف عند حدوده ، وعدم تجاوزها ، وأخبر تعالى أنه (مَعَ الْمُتَّقِينَ) أي : بالعون ، والنصر ، والتأييد ، والتوفيق. ومن كان الله معه ، حصل له السعادة الأبدية ، ومن لم يلزم التقوى ، تخلى عنه وليه ، وخذله ، فوكله إلى نفسه ، فصار هلاكه أقرب إليه من حبل الوريد.
[١٩٥] (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) ، يأمر تعالى عباده بالنفقة في سبيله ، وهو إخراج الأموال في الطرق الموصلة إلى الله ، وهي كل طرق الخير من صدقة على مسكين ، أو قريب ، أو إنفاق على من تجب مؤنته. وأعظم ذلك ، وأول ما يدخل في ذلك الإنفاق في الجهاد في سبيل الله ، فإن النفقة فيه جهاد بالمال ، وهو فرض كالجهاد بالبدن ، وفيها من المصالح العظيمة الإعانة على تقوية المسلمين ، وتوهين الشرك وأهله ، وعلى إقامة دين الله وإعزازه ، فالجهاد في سبيل الله ، لا يقوم إلا على ساق النفقة. فالنفقة له كالروح ، لا يمكن وجوده بدونها ، وفي ترك الإنفاق في سبيل الله إبطال للجهاد ، وتسليط للأعداء ، وشدة تكالبهم ، فيكون قوله تعالى : (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) كالتعليل لذلك. والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين : ترك ما أمر به العبد ، إذا كان تركه موجبا أو مقاربا لهلاك البدن أو الروح ، وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح ، فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة ، فمن ذلك ترك الجهاد في سبيل الله ، أو النفقة فيه ، الموجب لتسلط الأعداء ، ومن ذلك ، تغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة أو سفر مخوف ، أو محل مسبعة أو حيات ، أو يصعد شجرا ، أو بنيانا خطرا ، أو يدخل تحت شيء فيه خطر ، ونحو ذلك. فهذا ونحوه ، ممن ألقى بيده إلى التهلكة. ومن ذلك الإقامة على معاصي الله ، واليأس من التوبة ، ومنها ترك ما أمر الله به من الفرائض ، التي في تركها هلاك الروح والدين. ولما كانت النفقة في سبيل الله نوعا من أنواع الإحسان ، أمر بالإحسان عموما ، فقال : (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ، وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان [لأنه لم يقيده بشيء دون شيء. فيدخل فيه الإحسان] (١) بالمال كما تقدم. ويدخل فيه الإحسان بالجاه ، والشفاعات ونحو ذلك ، ويدخل في ذلك الإحسان الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وتعليم العلم النافع ، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس من تفريج كرباتهم ، وإزالة شدائدهم ، وعيادة مرضاهم ، وتشييع جنائزهم ، وإرشاد ضالهم ، وإعانة من يعمل عملا ، والعمل لمن لا يحسن العمل ، ونحو ذلك مما هو من الإحسان الذي أمر الله به. ويدخل في الإحسان أيضا ، الإحسان في عبادة الله تعالى ، وهو كما ذكر النبي صلىاللهعليهوسلم : «أن تعبد الله كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فمن اتصف بهذه الصفات ، كان من الذين قال الله فيهم : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ) ، وكان الله معه يسدده ويرشده ويعينه على كل أموره.
[١٩٦] ولما فرغ تعالى من ذكر أحكام الصيام والجهاد ، ذكر أحكام الحج فقال : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) ، الآية ، يستدل بقوله : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) على أمور : أحدها : وجوب الحج والعمرة ، وفرضيتهما. الثاني : وجوب إتمامهما بأركانهما وواجباتهما التي قد دل عليها فعل النبي صلىاللهعليهوسلم وقوله : «خذوا عني مناسككم». الثالث : أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة. الرابع : أن الحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما ، ولو كانا نفلا. الخامس : الأمر بإتقانهما وإحسانهما ، وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما. السادس : وفيه الأمر بإخلاصهما (لِلَّهِ) تعالى. السابع : أنه لا يخرج المحرم بهما بشيء من الأشياء حتى يكملهما ، إلا بما استثناه الله ، وهو الحصر ، فلهذا قال : (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) ،
__________________
(١) سقط من المطبوعة التي بين يدينا ، وهو موافق للسياق.
