تألّم ، وإن عري أو كاد ، تألّم ، وإن نظر إلى ما بين يديه وما يتوهمه من المستقبل الذي يستعد له ، تألّم ، وإن أصابه البرد الذي لا يقدر على دفعه ، تألّم. فكلّ هذه ونحوها مصائب يؤمر بالصبر عليها ، والاحتساب ، ورجاء الثواب من الله عليها. (وَالضَّرَّاءِ) ، أي : المرض على اختلاف أنواعه ، من حمى وقروح ، ورياح ، ووجع عضو ، حتى الضرس والإصبع ونحو ذلك ، فإنه يحتاج إلى الصبر على ذلك ؛ لأن النفس تضعف ، والبدن يألم ، وذلك في غاية المشقة على النفوس ، خصوصا مع تطاول ذلك ، فإنه يؤمر بالصبر ، احتسابا لثواب الله تعالى. (وَحِينَ الْبَأْسِ) ، أي : وقت القتال للأعداء المأمور بقتالهم ، لأن الجهاد ، يشق غاية المشقة على النفس ، ويجزع الإنسان من القتل ، أو الجراح ، أو الأسر ، فاحتيج إلى الصبر في ذلك ، احتسابا ، ورجاء لثواب الله تعالى ، الذي منه النصر والمعونة التي وعدها الصابرين. (أُولئِكَ) ، أي : المتصفون بما ذكر ، من العقائد الحسنة ، والأعمال التي هي آثار الإيمان ، وبرهانه ونوره ، والأخلاق التي هي جمال الإنسان وحقيقته الإنسانية. فأولئك (الَّذِينَ صَدَقُوا) في إيمانهم ، لأن أعمالهم صدقت إيمانهم. (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) ؛ لأنهم تركوا المحظور ، وفعلوا المأمور ؛ لأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير ، تضمنا ولزوما ، لأن الوفاء بالعهد ، يدخل فيه الدين كله ، ومن قام بها ، كان بما سواها أقوم ، فهؤلاء الأبرار الصادقون المتقون. وقد علم ما رتب الله على هذه الأمور الثلاثة ، من الثواب الدنيوي والأخروي ، مما لا يمكن تفصيله في مثل هذا الموضع.
[١٧٨] يمتن تعالى على عباده المؤمنين ، بأنه فرض عليهم (الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى) ، أي : المساواة فيه ، وأن يقتل القاتل على الصفة التي قتل عليها المقتول ، إقامة للعدل والقسط بين العباد. وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين ، فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم ، حتى أولياء القاتل ، حتى القاتل بنفسه ـ إعانة ولي المقتول إذا طلب القصاص ، ويمكنه من القاتل ، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد ، ويمنعوا الولي من الاقتصاص ، كما عليه عادة الجاهلية ، ومن أشبههم من إيواء المحدثين. ثم بيّن تفصيل ذلك ، فقال : (الْحُرُّ بِالْحُرِّ) يدخل بمنطوقها الذكر بالذكر ، (وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى) ، والأنثى بالذكر ، والذكر بالأنثى ، فيكون منطوقها مقدما على مفهوم قوله : «الأنثى بالأنثى» مع دلالة السنة ، على أن الذكر يقتل بالأنثى. وخرج من عموم هذا ، الأبوان وإن علوا ، فلا يقتلان بالولد ، لورود السنة بذلك ، مع أن في قوله : (الْقِصاصُ) ما يدل على أنه ليس من العدل ، أن يقتل الوالد بولده ، ولأن في قلب الوالد من الشفقة والرحمة ، ما يمنعه من القتل لولده إلا بسبب اختلال في عقله ، أو أذية شديدة جدا من الولد له. وخرج من العموم أيضا ، الكافر بالسنة ، مع أن الآية في خطاب المؤمنين خاصة. وأيضا فليس من العدل أن يقتل ولي الله بعدوه ، والعبد بالعبد ، ذكرا كان أو أنثى ، تساوت قيمتهما أو اختلفت. ودلّ بمفهومها على أن الحر ، لا يقتل بالعبد ، لكونه غير مساو له ، والأنثى بالأنثى ، أخذ بمفهومها بعض أهل العلم ، فلم يجز قتل الرجل بالمرأة ، وتقدم وجه ذلك. وفي هذه الآية دليل على أن الأصل وجوب القود في القتل ، وأن الدية بدل عنه ، فلهذا قال : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) ، أي : عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية ، أو عفا بعض الأولياء ، فإنه يسقط القصاص ، وتجب الدية ، وتكون الخيرة في القود ، واختيار الدية إلى الولي. فإذا عفا عنه ، وجب على الولي ، أي : ولي المقتول أن يتبع القاتل (بِالْمَعْرُوفِ) من غير أن يشق عليه ، ولا يحمله ما لا يطيق ، بل يحسن الاقتضاء والطلب ، ولا يحرجه. وعلى القاتل (أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ) من غير مطل ولا نقص ولا إساءة فعلية أو قولية ، فهل جزاء الإحسان بالعفو ، إلا الإحسان بحسن القضاء ، وهذا مأمور به في كل ما يثبت في ذمم الناس للإنسان ، مأمور من له الحق ، بالاتباع بالمعروف ، ومن عليه الحق بالأداء بالإحسان. وفي قوله : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ) ترقيق وحث على العفو إلى الدية ، وأحسن من ذلك ، العفو مجانا. وفي قوله : (أَخِيهِ) دليل على أن القاتل ، لا يكفر ، لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان ، فلم يخرج بالقتل منها ، ومن باب أولى ، أن سائر المعاصي التي هي دون الكفر ، لا يكفر بها فاعلها ، وإنما
